ابحث في هذه المدونة

الأربعاء، 10 أكتوبر 2012

مسالك الخطاب وغايات التخاطب د محمد محمد يونس علي


مسالك الخطاب وغايات التخاطب د محمد محمد يونس علي
 مسالك الخطاب وغايات التخاطب
 1- مقدمة يرمي البحث إلى رسم الخطوط العريضة لمقاربة تخاطبية تربط غايات التخاطب بمسالكه الشائعة في الاستعمال، ويشدد على السمة الغائية في الخطاب التي تقتضي النزوع نحو ضرب من التهميش للمكانة التي اعترشها "المعنى" عبر العصور في مقابل الإعلاء من شأن مفهوم آخر مرتبط به، ولكنه ذو طبيعة سياقية تجعله أجدى منه تخاطبيا، وهو مفهوم "المراد"، ونظرا إلى السمة التركيبية الفضفاضة التي يتسم بها هذا المفهوم –فضلا عن افتقاره إلى الصبغة الاصطلاحية- فقد آثرنا تحليله إلى ثلاثة مفاهيم متمايزة نسبيّا إلى الحد الذي يسمح بالتفريق بينها مفهوميا ووظيفيا، ألا وهي المقصد والغرض والغاية، وسنشرح المقصود بكل من هذه المصطلحات فيما سيأتي، غير أننا سنبدأ بالحديث عن مصطلح "المسالك" كما هو مستعمل في هذا البحث. 2- المسالك المقصود بالمسالك في هذا البحث يشبه إلى حد كبير ما يقصده بعض الباحثين في مجالات التخاطب وتحليل الخطاب بالإستراتيجيات، غير أننا آثرنا استخدام مصطلح المسالك لعدد من الأسباب، من بينها أن مصطلح "إستراتيجية" يتضمن معنى التخطيط الدقيق بعيد المدى وما يتطلبه ذلك من طول الزمن والتأني، وهو وإن وجد في بعض الخطابات، ولاسيما النصوص المكتوبة فإنه يكاد يغيب عن معظمها، وقد ارتبط مصطلح "الإستراتيجية" أساسا بالمجال العسكري، ثم نقل إلى مجال إدارة الأعمال business administration، وفي كلا المجالين تعد الإستراتيجية نقطة وصل بين السياسات المقترحة policies والتكتيكات tactics، التي هي آليات عملية لتنفيذ الإستراتيجيات المتسمة بالعموم، وعادة ما تحتاج الإستراتيجيات والتكتيكات إلى وسائل مادية لتحقيق الغايات المنشودة والتمكين من إتمام المهمة. وممن اشتهروا باستخدامهم الإستراتيجية في الخطاب جون ج قمبرز John J. Gumperz في كتابه المشهور إستراتيجيات الخطاب. كان هدفه من هذا الكتاب وضع مقاربات حملية interpretive لعمليات المحادثة التي يلتقي فيها المتحدثان وجها لوجه في إطار اللسانيات الاجتماعية، وقد كانت إستراتيجياته إستراتيجيات تلقي الخطاب وليس استعماله من لدن المتكلم أو الكاتب كما هو الحال في هذا البحث. ومما توصل إليه أن المحادثة غالبا ما تحتوي على أدلة داخلية تبين إن كانت قد نجحت في بلوغ غاياتها التخاطبية أم لا. وأن النظرية اللسانية الاجتماعية التي سعى إلى صوغها ينبغي أن تفسر كيف أن التفاعل بين المتخاطبين يستلزم بعض المشاركة. ومن بين الذين درسوا إستراتيجيات الخطاب تيون أدريانوس فان ديجك Teun Adrianus van Dijk وولتر كينتش Walter Kintsch في كتابهما إستراتيجيات فهم الخطاب، وقد قارنا بين إستراتيجيات اللعب وإستراتيجيات فهم الخطاب فوجدا فرقا بينهما يقلل من أهمية القياس بينهما، ولكنهما أقرا بالتشابه بينهما في حاجة مستعمل اللغة إلى القيام بعدد من الخطوات لأداء مهمة معقدة مثلما هو الأمر في أداء اللعبة، وهذه الخطوات لا تحكمها قواعد ولكنها تختلف باختلاف التحليل. وقد صرحا بأن الإستراتيجيات غير محدودة، بل "هي مجموعة مفتوحة"، وهي تكتسب اكتسابا، وتختلف المراحل التي تكتسب فيها باختلاف طبيعتها. وعلى الرغم من أن كتابهما يركز على إستراتيجيات الفهم، فقد ناقشا في أحد الفصول إستراتيجيات إنتاج النص. وإن كانا يقران بأن المعرفة المتوفرة عن إستراتيجيات إنتاج النص حتى تاريخ تأليف الكتاب قليلة جدا. وفيما يتعلق بنوع الإستراتيجيات فقد اتسم تصنيفهما بربطها ببعض فروع اللسانيات فتحدثا عن إستراتيجيات دلالية وأخرى براغماتية وأخرى بلاغية وأخرى أسلوبية فضلا عن إستراتيجات أخرى كإستراتيجيات المحادثة conversational strategies وإستراتيجات الخطاب discourse strategies والإستراتيجيات التفاعليةinteractional strategies . وفي اللغة العربية أنجز عبد الهادي الشهري رسالة ماجستير تناولت إستراتيجيات الخطاب، ذكر فيها وظيفتين للخطاب: هما الوظيفة التعامليّة والوظيفة التفاعليّة، وتحدّث عن الإستراتيجية التضامنية والإستراتيجية التوجيهيّة المرتبطتين بالعلاقة بين المتخاطبين، والإستراتيجية التلميحيّة المرتبطة بما يسميه "دلالة الشكل اللغوي"، وإسترتيجيّة الإقناع المرتبطة بالهدف من الخطاب، وقد ضمّن الباحث رسالته مادة جيّدة في الموضوع، ولكنه لم يأت بتصنيف منطقي واضح للإستراتيجيات. أما "المسالك" فهي كلمة -وإن لم تستعمل بالمعنى الاصطلاحي المراد في هذا البحث- فقد شاع استخدامها في كتب التراث، وفي بعض الكتابات المعاصرة في معناها العام، واستخدمها علماء أصول الفقه في معنى اصطلاحي، ارتبط بمفهوم العلة حيث أشاروا إلى الطرق التي تستنبط بها العلل، وذلك كالمناسبة، والشبه، والطرد، والدوران، والسبر والتقسيم، بـ "مسالك العلة"، وقد سميت بذلك "لِأَنَّ الْمَسَالِكَ تُوَصِّلُ إلَى الْمَقْصُودِ"، وهَذِهِ القَضَايَا أعني المناسبة ونحوها "يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى عِلِّيَّةِ الشَّيْءِ". أما في معاجم اللغة، فيعرّف المسلك وضعا بأنه الطريق، وهو في الأصل اسم مكان مشتق من "سلك الطريق إذا ذهب فيه"، ومصدر الفعل "سلوك"، ومن مصادره أيضا السَّلْكُ بفتح السّين، وهو إدخال الشيء في الشيء، جاء في لسان العرب: " يقال سَلَكْتُ الخَيْطَ في المِخْيَطِ أَي أَدخلته فيه"، وهو يوحي بالدقة، وجاء في مقاييس اللغة أن "السين واللام والكاف أصلٌ يدلُّ على نفوذ شيءٍ في شيء"، وعلى ذلك يكون المسلك هو المنفذ، وذكر الخليل في كتاب العين أن "السُّلْكَى : الأَمْر المُسْتَقيم"، وجاء في أساس البلاغة للزمخشري: "ومن المجاز: ذهب في مسلك خفيّ، وخذ في مسالك الحق، وهذا كلام دقيق السلك خفي المسلك". ولعله من حسن الاستطراد أن نذكر أن السيوطي يسمي الطريقة التي يتعلم بها الطفل اللغة مسلكا. ويستنتج من كل ما سبق أن المسلك يدل على الطريق والطريقة والمذهب، ويوحي بالمعاني الآتية: الدقة والاستقامة والإتقان والإدخال والمنفذ والوسيلة والاختيار والسلوك والتصرّف، وجلّها معان مقصودة في ما أردناه من هذا المصطلح، فهو شبيه بالمقاربة approach التي تعني الاقتراب من موضوع ما من اتجاه معيّن، لكونه المدخل إلى موضوع التخاطب، وهو المنفذ إلى عقل المخاطب وفؤاده، وهو الطريق إلى مقصد المتكلم وغرضه من كلامه، وهو الوسيلة لتحقيق غاية التخاطب، وإذا كان استعمال الألفاظ للدلالة على المعاني فعلا من الأفعال –كما يراه أنصار نظريّة أفعال الكلام- فمن المناسب أن يكون المسلك سلوكا باعتباره مصدرا ميميا للفعل سلك، والسلوك فعل كما هو معلوم، كما أنه الطريقة المختارة لتحقيق مقاصد التخاطب وأغراضه وغاياته، وهو اختيار يحتاج إلى تدبير ودقة وإتقان إذا ما راعينا أنه مشتق من " سَلَكْتُ الخَيْطَ في المِخْيَطِ أَي أَدخلته فيه"، ومن ثمّ فهو في حاجة إلى "إعمال الحيلة في إلقاء الكلام من النفوس بمحل القبول لتتأثر بمقتضاه" بحسب عبارة حازم القرطاجنّي عند حديثه عن الغرض في الشعر والخطابة. يمكن أن نعرف مقصودنا الاصطلاحي بالمسلك التخاطبي إذن بأنه طريقة في التعبير ترتبط بخطة ذهنية بسيطة أو مركبة ترمي إلى استثمار بعض المعطيات الوضعية أو السياقية أو القدرات المنطقية أو الأصول التخاطبية أو الوسائل الخطابية المتاحة أو أكثر من نوع منها لتحقيق غاية أو أكثر من غايات التخاطب. وفيما يبدو أنه تقريب لفكرة الإستراتيجية من فكرة المسلك كما شرحت هنا، يذكر فان ديجك وولتر كينتش أن الإستراتيجية في علم النفس تحيل على "سلوك إدراكي من نوع ما"، ويذكرا أيضا أن الإستراتيجيات تنتمي إلى طرق السلوك الفعال في مقام معين لتحقيق هدف ما. وبينما تحدد القواعد الخطوات الممكنة تحدد الإستراتيجيات أي خطوة من الخطوات الممكنة يمكن اختيارها لتحقيق أهداف المتكلم على أفضل وجه. تتسم المسالك في الخطاب المكتوب بطبيعتها المركّبة، وينعكس هذا التركيب على بنية الخطاب ووظيفته، كما أنّها تصطبغ بطابع الثبات النسبي؛ إذ ليس ثمة ما يعكر انسيابياتها واطرادها؛ ولاسيما إذا راعى الكاتب الأسئلة والاعتراضات والاستدراكات المتوقع أن يثيرها القارئ، أما في الخطاب الشفوي فليس هناك مسلك ثابت دائما، بل إن الغالب هو أن المقام التخاطبي يفرض تغييرات عارضة قد تحمل المتكلم إلى تحويل خطواته التخاطبية إلى ردود أفعال آنية على مشاركات المخاطَب، بيد أن التخاطب الناجح يفرض أن تتسم هذه الردود الآنية بالتماسك البنيوي والوظيفي ووحدة الهدف، وبذلك يكون المسلك في خطاب المشافهة ذا سمة تراكمية زمانية متوالية محكومة بعوامل الزمن والمكان والمحيط واستجابات المخاطبَ. وعندما يترسّخ المسلك في طرائق التعبير التي ينزع إليها المتكلم، ويصبح عادته المطردة يتحوّل إلى "منزع"، بحسب تعريف حازم القرطاجنّي للمصطلح مع شيء من التوسيع حتى لا يقتصر على الشعراء وحدهم، وقد عرّفه حازم بقوله: "المنازع هي الهيئات الحاصلة عن كيفيّات مآخذ الشعراء في أغراضهم، وأنحاء اعتماداتهم فيها، وما يميلون بالكلام نحوه أبدا، ويذهبون به إليه...". وربما حُق لنا أن ندعي أن هذه النظرة الغائية للخطاب ليست بدعا في الدراسات اللغوية العربية، بل هي امتداد للمدرسة البلاغية والأصولية والتفسيرية التي كثيرا ما تتحدث عن الأغراض البلاغية، وعن مراعاة مقتضى الحال، ويشيع عندهم قولهم: إن المتكلم ينصب قرينة للدلالة على مراده. وانسجاما مع هذه المدارس التراثية الثلاث ومع منجزات البحوث اللسانية الحديثة، ولاسيما ما ارتبط منها بالمقاربات البراغماتية وتحليل الخطاب، لابد من التشديد على أننا ننظر إلى الخطاب على أنه عملية إرادية قصدية. أما كونه عملية فلتمييزه عن نظرة بعض اللغويين إليه بأنه مجرد نتاج جامد، وأما كونه إراديا فتعبير عن حرية المتكلم في أدائه، وأنه سلوك إيجابي يهيمن عليه المتخاطبون، وأما كونه قصديا فلكونه موجَّها؛ وذلك لارتباطه بالمقاصد والأغراض والغايات. وإذا كان الأمر كذلك فإن للخطاب تأثيرا اجتماعيا بيّنا؛ وذلك لكونه ليس مجرد قول، بل هو فعل غائي، مرتبط أشد الارتباط بمرجعياته الاجتماعية المتعددة المصادر والأنواع. وهذا يتطلب تجاوز قصر البحث في استعمال اللغة على الجانب القواعدي أو الدلالي للعناصر اللغوية، بل أضحى من المهم النظر إلى عملية التخاطب على أنها عملية بناء مسالك مبنية على المعطيات السياقية؛ لتحقيق غايات المتخاطبين، ولاسيما أن "الهدف من الخطاب يحدّد كل شيء آخر في عملية الخطاب" كما يذكر كينيفي Kinneavy. ويمكن أن نستشهد على ذلك بقصة الرجل الذي ضاق ذرعا بسوء طبخ زوجته، فأراد أن ينبهها على تقصيرها ويحثها على تحسين الأداء، فلجأ إلى مسلك الاقتباس؛ لإقناعها بذلك: حيث علّق لوحة كبيرة في جدار المطبخ مكتوبا عليها الأثر المشهور "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه" مستنجدا بالسلطة الدينية للنص المقتبس لتحقيق غرضه. 3- الغايات والأغراض والمقاصد الغاية لغة هي مدَى الشيء، وهي أقْصى الشيء ومنتهاه، وتعرّف في الفلسفة وعلم الكلام بأنها "ما لأجله وجود الشيء"، ويذكر ابن سينا "أن الفاعل الأول والمحرك الأول في كل شيء هو الغاية"، وينقل التهانوي أن "كل مصلحة وحكمة تترتب على فعل الفاعل تسمى غاية من حيث إنها على طرف الفعل ونهايته، وتسمى فائدة أيضا من حيث ترتبها عليه". وكل ما ذكر هنا ينطبق إلى حد كبير على ما نقصده بالغايات الخطابية، ومن أهم هذه الغايات الإبلاغ والطلب، والتعلّم، والإفصاح، والتفسير، والتأثير، والإقناع، والإمتاع، والتواصل، وذلك لأن مستعمل اللغة إما أن يبلغ مخاطبه بمضمون قضية ما على سبيل الإعلام، ويستخدم لذلك أسلوب الإخبار عادة، أو أنه يطلب شيئا على سبيل الأمر أو النهي، أو يستعلم عن شيء على سبيل الاستفهام، أو أنه يفصح عن انطباعاته ومشاعره ورغباته كما في التعجب والتمني والترجي والتحسر والمدح والذم، أو أنه يفسّر شيئا ما كشرح معادلة، أو توضيح ما غمض من المسائل، ويندرج في هذا الكثير من الاستعمالات اللغوية في قاعات الدراسة، وقد تكون الغاية من الخطاب التأثير في مخاطبه بتغيير سلوكه عن طريق الوعظ أو النصيحة، أو إقناعه بفكرة ما، أو إمتاعه بعمل إبداعي، أو ربما مجرد الشروع في التواصل معه أو الحرص على استمرار هذا التواصل. ونظرا إلى الطبيعة الاجتماعية المتأصلة في عمليات التخاطب، فإنه من الممكن تصنيف الغايات الكلّية للتخاطب التي لا تكاد تخلو من سمة اجتماعية بأنها نفسية أو إعلامية، أو دينيّة، أو أيديولوجيّة، أو أخلاقيّة، أو فنيّة. وقد صنّف فاندرفينكن Vanderveken أهداف اللغة إلى أهداف إفصاحية expressive تنجلي بها المواقف، ووصفيّة descriptive تصف العالم الخارجي، وتوجيهيّة deliberative تملي ما ينبغي فعله، وتشريعيّة declaratory تغير العالم الخارجي بإصدار تشريعات. إن فكرة الغايات الخطابية ترتبط مباشرة بالأسباب التي من أجلها نستخدم اللغة، وبذلك يؤول الحديث عن الغايات إلى بحث في وظائف اللغة، والبواعث التي من أجلها وجدت اللغة. أما الأغراض فمفردها غرض، وقد جاء في الصحاح للجوهري أن الغرض هو "الهدف الذي يرمى فيه، وفهمتُ غَرَضَكَ، أي قصدك"، وورد في لسان العرب أن الغرض هو "شدّة النِّزاعِ نحو الشيء والشوْقِ إِليه"، وهو "الهدَفُ الذي يُنْصَبُ فيرمى فيه، والجمع أَغْراضٌ". وقد عرف حازم القرطاجنّي الأغراض بأنها الهيئات النّفسية التي يُنْحى بالمعاني المُنتسبة إلى تلك الجِهات نحوها، ويُمال بها إلى صوغها". وفي الفلسفة وعلم الكلام يعرف الغرض - ويسمّى علة غائية- بأنه "ما لأجله إقدام الفاعل على الفعل، وهي ثابتة لكل فاعل فعل بالقصد والاختيار"، وقد عرّفه ابن حزم الظاهري بأنه "الأمر الذي يجري إليه الفاعل ويقصده ويفعله". ومن الواضح التركيز في هذا التعريفين على العلية والقصديّة في مفهوم الغرض، وإذا كانت الغايات مرتبطة بوجود اللغة نفسها، فإن الأغراض هي علل قصديّة للمخاطبة، وهو ما يجعله مناسبا لما سنسميه "أغراض التخاطب" تمييزا لها من الغايات والمقاصد، ولعل أهم أوجه الافتراق بينها وبين الغايات أن الغايات تتسم بالعموم والتجريد والكلّيّة، أما الأغراض فهي متوسطة في ذلك بين الغايات والمقاصد التي تتسم بالجزئية والحسية والآنية. ومن هنا فإن مرادات المتكلم تتدرج من حيث التجريد من الغايات إلى الأغراض إلى المقاصد. وسنستخدم مصطلحات الغاية والغرض والمقصد في معانيها الاصطلاحية ونترك كلمتي "هدف" و"مراد" لاستخدامها في معناهما اللغوي العام. ومن الأغراض الشائعة في التخاطب الإعلام، والمدح، والذم، والهجاء، والرثاء، والغزل، والفخر، والاعتذار، والعتاب، والوعظ، والتوجيه، والإرشاد، والنصيحة، والتعليم، والتبليغ، والحكاية، والمناظرة، والجدل، والمخاصمة، والردع، والزجر، والتخويف، والإرهاب، والتخوين، والترغيب، والترهيب، والتحذير، والتنفير، والتحقير، والإهانة، والسخريّة، والإرضاء، والتحيّة، والتهنئة، والتعزية والمواساة، والتحسّر، والندم، والإنجاز الاجتماعي أو الاقتصادي (كما في صيغ عقود النكاح، والطلاق، والبيع)، وكل غرض من هذه الأغراض يندرج تحت غاية أو أكثر من الغايات الخطابية الكلية السابقة. ولكي تتحقق غايات التخاطب وأغراضه يلجأ المتكلم عادة إلى مسالك الخطاب التي تمكنه عند اقترانها بوسائل نظمية وخطابية جزئية من الكشف عن المقاصد الآنية المباشرة للقولات اللغوية المجسّدة لتلك الأغراض والغايات العامة، ولعلّ قصة إبراهيم –عليه السلام- مع قومه توضّح لنا بجلاء كيف يمكن استثمار السياق الاجتماعي والثقافي والمقامي لبناء مسلك حجاجي متعدد المقاصد والأغراض والغايات؛ إذ بالتأمل في قوله تعالى: "قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (63)" [الأنبياء: 62-63]، فسنجد أنه يشتمل في الأقل على خمسة مستويات من المقاصد مرتبة من أسفل إلى أعلى، على النحو الآتي: المقصد الأول: هو إشارة سيدنا إبراهيم –عليه السلام- إلى أنّه لم يكسر الأصنام، بل الذي كسرها هو كبير الأصنام المقصد الثاني: تنبيههم على أن الأصنام التي يعبدونها لا تفعل شيئا، ولا تنطق، ولا تستطيع أن تدافع عن نفسها، ومن ثم لا يمكنها أن تنفعهم ولا تضرهم. المقصد الثالث: التعريض بهم، لكونهم يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر. المقصد الرابع: إقامة الحجة عليهم، وتبكيتهم. المقصد الخامس: دعوتهم إلى عبادة الواحد القهّار. وقد استعمل –عليه السلام- عددا من الوسائل النظمية والحجاجية لتنفيذ مسلكه الخطابي وإبلاغهم مراداته، فاستخدم الخبر المقترن بـ "بل" التي للإبطال لقصد الإنكار، وتنبيه مخاطبيه عبدة الأصنام على عجز آلهتهم، ثم استعمل الأمر "فاسألوهم" المعلق بشرط النطق "إن كانوا ينطقون"؛ لتذكيرهم بأن من يعجز عن النطق لا يستحق العبادة، واستخدم مسلك التلميح للتعريض بهم وتبكيتهم، ولجأ إلى وسيلة المجاراة في الباطل لغرض إلزامهم بالحجة. ولعلّ من أهم ما يمكن استنتاجه من الاستشهاد السابق –فضلا عن بيان الترابط بين المسالك التخاطبية وغايات المتكلمين- أن المقاصد قد تتعدد وقد تكون مرتبة ترتيبا تدرجيًّا طبقيّا على النحو المذكور. ولعل مثال جون سيرل Searle John المشهور "هل بإمكانك أن تلحق الملح" (إذا قيلت لمن يجلس بجانب المتكلم على منضدة الطعام) يوضّح لنا إمكان هذا التعدد المقصدي، حيث تدل على الاستفهام وعلى الطلب معا، وكلاهما مقصود. وقد كشف سيدنا إبراهيم عليه السلام في الآيتين السابقتين عن عدد من المقاصد الكلامية، مثل إنكار كسره للأصنام، وتنبيه قومه على عجز الأصنام، والتعريض بسفاهتهم، وتبكيتهم، ودعوتهم إلى عبادة العليّ القدير، لتحقيق أغراضه التخاطبية وهي الوعظ والتوجيه والإرشاد والنصيحة والتعليم والتبليغ والجدل، ليصل بذلك إلى تحقيق غايتين من غايات التخاطب هما الإقناع والتأثير، وقد تحقق له كل ذلك باستعمال جملة من المسالك كالتلميح والتصريح والاستدلال. ويفهم من مراجعة ما كتب المفسرون عن هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام كان مجدا في إظهار الحق الذي هو التوحيد، وقد استخدم لتحقيق ذلك -كما يذكر الرازي في مفاتيح الغيب- طريقتين: الطريقة القوليّة في قوله: {بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ} [الأنبياء: 56]، والطريقة الفعلية وهي "المكيدة" المشار إليها بقوله: {تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} [الأنبياء: 57]، وقد كانت الخطوة الأولى من هذه المكيدة هي تحطيم الأصنام ووضع القادوم في يد كبيرها، ولكنه لم يقف عند هذا الحد، بل دخل معهم في محاجّة تبيّن منها –كما ذكر الزمخشري في الكشّاف- أنّ "قصد إبراهيم صلوات الله عليه لم يكن أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم، وإنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم". وهكذا نرى أن الزمخشري والرازي كانا يحومان حول فكرة "المسلك"، وقد سماها الرازي طريقة، وسماها الزمخشريّ أسلوبا، وربطها بصريح العبارة بالقصد والغرض كما مر في الاقتباس السابق. ومن الأمثلة الأخرى التي يمكن الاستشهاد بها للدلالة على الفرق بين الغايات والأغراض والمقاصد المثل المشهور الذي يقول: "تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها"، فمعنى المثل هو أن جوع المرأة الشريفة أفضل من استعمالها ثدييها وسيلة للحصول على أكلها، وقد شحن المثل بعدد من المقاصد الكلامية منها 1- أنّ تحمّل آلام الجوع أهون من أن تتنازل المرأة عن كبريائها، وتقبل بأجرة مقابل إرضاع أطفال الآخرين، وهذا المقصد يقود إلى مقصد كلي أعم، وهو 2- أن الحرمان من الحاجات الجسديّة أهون من انتهاك قيم الشرف، ثم نستنبط من هذا المعنى الكلي معنى جزئي آخر، وهو 3- أن جوع المرأة أفضل من بيعها شرفها بالزنا ونحوه لتطعم نفسها. أما الغرض التخاطبي فهو استهجان ظاهرة امتهان الإرضاع بأجر، وذم المرأة التي تفعل ذلك، وأما الغاية من التخاطب هنا فهي التأثير. وعلى الرغم من أن ّالخلط بين الأهداف والأغراض والمقاصد شائع عند المهتمين بعملية الإدراك كما استنتجت نانسي بليلر Nancy Blyler، وعند البراغماتيين وفلاسفة اللغة، فإنه من الممكن التأكد من مصداقية التفريق بين المقصد والغرض والغاية، بأن نتخيل مقاما تخاطبيا ينصح فيه صديق صديقه -بعد أن علم بعدم قيامه لصلاة الفجر- بأن ينام مبكرا ليستيقظ مبكرا، ولنتصور أنه من الممكن أن يسرد لنا الناصح ما حدث له مع المنصوح على النحو الآتي: "لقد نصحته بأن ينام مبكرا ليستيقظ مبكرا، وقد أدرك قصدي، ولكنه لم يستجب". ومما يمكن استنتاجه من هذا المثال أن الصديق أدرك مقصد الناصح وهو أنه يريد منه أن يؤدي صلاة الفجر في وقتها، وأن الناصح حقق غرضه من كلامه وهو النصح، ولكنه أخفق في تحقيق غاية التخاطب وهي التأثير في المخاطب، وهو ما يعني صحة التمييز بين المقصد والغرض والغاية، كما يعني أيضا أن النجاح الحقيقي لعملية التخاطب إنما يتم بتحقيق الغاية، أما إنجاز الغرض فهو نجاح نسبي فقط. 4- المعنى والمقصد لعل من الأسئلة المتبادرة إلى الذهن بعد الحديث عن المقاصد الكلامية والأغراض التخاطبية وغايات الخطاب السؤالين الآتيين: أين يقع المعنى من كل ما سبق؟ وما الفرق بين المعنى والمقصد؟ والجواب هو أن المعنى هو مدلول الألفاظ على مستوى التجريد، وهو مدلول افتراضي؛ لأن تصوّره يقتضي عزله عن سياق التخاطب والعودة إلى مرجعيته الوضعية لتحديد مضمونه. وهذا يَؤول إلى القول بأن الفرق الجوهري بين المعاني والمقاصد أن المعاني تفهم من المواضعات اللغوية، في حين أنه لابد لاستنباط المقاصد من الوقوف على القرائن اللفظية والمعنوية والاستعانة بالقدرات الاستنتاجية والتأمل في الأصول التخاطبية. لم يعد المعنى إذن وفقا للمقاربة التخاطبية هدفا أساسيا لعملية التخاطب، بل أضحى مرحلة مؤقتة للوصول إلى المقصد، وهو خطوة إجرائية وأداة تواصلية لبلوغ مراد المتكلم، إنه المرحلة الأولى في الانتقال بالمدلول نحو تحقيق غاية أو أكثر من غايات التخاطب، فمنذ أن ينتقل الذهن من اللفظ إلى المعنى اهتداء بالعلاقة الوضعية الاعتباطية التي تربط بينهما تبدأ رحلة البحث نحو مرادات المتكلم التي تشمل الغاية والغرض والمقصد، ولابد من التشديد هنا على أن الانتقال من المعنى إلى أي من هذه المفاهيم الثلاثة هو قضية عقلية سياقية تخاطبية وليس للوضع فيها من تأثير مباشر. ولابد من التذكير أيضا أنه يمكن أن يفهم المعنى دون أن يدرك المقصد، وهو أمر شائع في المخاطبات، وقد ورد ذم القرآن كفار قريش بوصفهم أنهم "لا يفقهون"، مع أنهم عرب أقحاح يفهمون معاني الكلام، ولكنهم يخفقون في فهم مقاصد الشارع، وهذا عائد إلى أن الفقه –كما عرفه ابن القيم- "أخصَّ من الفهم؛ وهو فهم مراد المتكلم من كلامه، وهذا قدر زائد على مجرد فهم وضع اللفظ في اللغة". ومن الفروق الجوهرية بين المعاني والمقاصد أن المعاني تنتمي إلى الوضع واللغة، في حين تنتمي المقاصد إلى الاستعمال والكلام، ومن ثمّ يمكن الحديث عن معاني الجمل ومقاصد القولات على افتراض أن الجمل كيانات وضعية مجردة، والقولات هي التحققات الفعلية للجمل في المقامات التخاطبية، وهكذا فإن المعاني تدرس في علم الدلالة semantics، أما المقاصد فتدرس في علم التخاطب pragmatics. وقد يتفق المعنى مع المقصد إذا ما استُعمل اللفظ في معناه الحقيقي، وفي هذا الحال فإن الاتفاق يكون في الذات فقط؛ أما في الاعتبار فإنه معنى من حيث كونه نتاجا للوضع اللغوي، ومقصد من حيث كونه نتاجا للاستعمال والقرائن التخاطبية. وسنوضح في الجدول الآتي رسم المسار الذي تسير عليه القولات اللغوية ابتداء من المسلك الذي اتُّبع في إنشائها مرورا بالمعنى فالقصد والغرض والغاية من خلال بعض الأمثلة. القولة المسلك المعنى المقصد الغرض الغاية زيد كثير الرماد الإخبار (نظمي) زيد كثير الرماد زيد كريم المدح التأثير {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ{ [المرسلات: 15] الإخبار (نظمي) أن المكذبين سيعذبون يوم القيامة الوعيد التخويف التأثير قول خديجة للرسول –ص-: "إنّك لتصل الرحم و تصدق الحديث" الإخبار (نظمي) أنه يصل الرحم ويصدق في القول التذكير الطمأنة التأثير {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً{ [الحجرات:12] الاستفهام (نظمي) السؤال عن حب أكل لحم الأخ الميت الإنكار التنفير التأثير {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى{ [الإسراء:32] النهي (نظمي) عدم قرب الزنى التحريم التوجيه التأثير أين تقع مدغشقر؟ الاستفهام (نظمي) السؤال عن أين تقع مدغشقر؟ الاستفسار الاستكشاف التعلم هذا الشكل يوضح بالمثال المسار من المسلك إلى الغاية 5- طبقات المعنى مثلما كان للمقصد مراتب فإنّ للمعنى مستويات أو طبقات متدرّجة: ففي نحو الكناية المشهورة فلان كثير الرماد يمكن التمييز بين المعاني الآتية: المعنى الأول: أن لفلان رمادًا كثيرًا (علاقته باللفظ اعتباطيّة). المعنى الثاني: أنّه كثير إشعال النيران (علاقته بالمعنى السابق عقليّة). المعنى الثالث: أنّه كثير الطبخ (علاقته بالمعنى السابق عقليّة). المعنى الرابع: أنّه كثير الضيوف (علاقته بالمعنى السابق عقليّة). وعندما تتضافر القرينة مع المعنى في المقام التخاطبي فالناتج هو المقصد، وهو هنا "أنّه كريم جواد". وباستثناء المعنى الأول الذي تكون العلاقة فيه بين اللفظ والمعنى علاقة وضعية اعتباطية تعد بقيّة المعاني من قبيل ما يسميه عبد القاهر الجرجاني "معنى المعنى"، وهو معنى ينشأ عن علاقات معنوية استنتاجيّة على منوال ما عرف بقاعدة "المعنى يجذب المعنى". ومثلما هو الحال مع المعنى الذي قد يكون مقصودا حرفيا أحيانا فيتحول إلى مقصد بفعل السياق، فكذلك معنى المعنى قد يكون مقصودا لذاته كما في التأويل الأخير (وهو أنّه كريم جواد) في الكناية السابقة حيث تحوّل إلى مقصد كلامي. وقد فرق بعض علماء التراث بين المعاني الأُوَل والمعاني الثواني، فمثال المعاني الأول القيام المؤكد في نحو "إنّ زيدا قائم" ومثال المعاني الثواني في هذا المثال "رد الإنكار ودفع الشك". وقد ذكر التهانوي أن المقصود بالمعاني الثواني "الأغراض التي يساق لها الكلام"، فإن صحّ هذا فقد قارب المقصود في هذا البحث بالأغراض التخاطبية. يمكن إذن أن نلخص ما سبق في أن عملية التخاطب تبدأ باللفظ وينتقل منه إلى المعنى من خلال العلاقة الوضعية الاعتباطية، ثم يُنتقل من المعنى إلى القصد المرتبط بكل من الغرض والغاية من خلال معطيات تداولية واجتماعية تتجسد من خلال السياق في مفهومه الواسع. الانتقال من اللفظ إلى المعنى علاقة وضعية اعتباطية الانتقال من المعنى إلى القصد والغرض والغاية معطيات وعلاقات تداولية واجتماعية هذا الشكل يوضح العلاقة بين اللفظ والمعنى، وبين المعنى، والقصد والغرض والغاية وأخير لابد من الإشارة إلى أن المسلك والغرض والغاية هي مفاهيم نسبية بحيث يمكن أن يتحول ما كان غرضا في مقام تخاطبي ما إلى مسلك لبلوغ غرض غير لغوي مثلا، وذلك كأن يمدح المتكلم شخصا آخر لغرض الحصول على بعض المال، فيصبح المدح مسلكا والحصول على المال غرضا والإثراء غاية، ومن ثم يتزحزح الغرض عن طبيعته اللغوية ويصبح مأربا خارجيا، مثلما هي الغاية دائما. وهذا التحوّل في طبيعة الغرض يعكس حقيقة مفادها أن الممارسات التخاطبية ليست منقطعة عن سائر الأفعال الاجتماعية التي نقوم بها في حياتنا. 6- من التلفظ إلى الخطاب لقد شدّد دوسوسير على ضرورة تجاوز النظر إلى اللغة على أنها مادة صوتية مشيرا إلى أن "أخطاء مصطلحاتنا، وكل طرائقنا في تمييز أمور اللغة المعينة إنما تصدر عن افتراض مقصود مضمونه أن هناك جوهرا في الظاهرة اللغوية". فما ينتج عن الجوهر في حقيقة الأمر لا يعدو التمكن من إصدار الصوت، وهذا التصويت ليس خصيصة بشرية، ولا هو خصيصة حيوانية، بل يمكن حدوثه من الجمادات، وذلك كهزيز الريح وصوت الرعد واصطكاك الجمادات، أما ما يشترك فيه الإنسان مع الحيوان فهو التلفظ الذي هو إصدار صوت حيواني كالزئير والنهيق والنباح، وما يصدر من الإنسان من أصوات مهملة ليس لها معنى، فإذا اقترن بمعنى فقد اختصّ بالإنسان وأصبح نطقا، وهو ما ميّز به الإنسان من الحيوان عندما قيل في تعريفه: إنه "حيوان ناطق". فإذا أطلق المتكلم اللفظ وأراد معنى ما في مقام تخاطبي صار ذلك استعمالا، والاستعمال نوعان: استعمال إبهامي يراد به التضليل كالتورية ونحوها، واستعمال بياني يقصد به إبلاغ مراد المتكلم لمخاطبه، والثاني وحده من نوعي الاستعمال الذي يمكن تسميته "الدلالة باللفظ" إذا ما اقتبسنا مصطلح الخسروشاهي والقرافي، وهو يحتاج إلى ثلاثة أنواع من الإرادة في أقل تقدير: إرادة التلفظ، وإرادة الاستعمال وإرادة الإبلاغ خلافا للتصويت الذي يفتقر إلى كل هذه الإرادات، وللتلفظ الذي يقتصر على الإرادة الأولى، وللاستعمال الذي يحتاج إلى الأولى والثانية. وإضافة إلى ما سبق من التصويت والتلفظ والاستعمال والدلالة باللفظ لابد من التعريج على ثلاثة مصطلحات أخرى ذات صلة بالموضوع وهي القول والكلام والخطاب. أما القول فهو أعم من الكلام؛ لأنه يطلق على اللفظ المفيد سواء أكان مفردا أو تركيبا، وأما الكلام فلا يطلق إلا على التركيب المفيد فائدة يحسن السكوت عليها –كما هو شائع عند النحاة-، ولكن لا يشترط فيه الإرادة دائما لاحتمال صدوره عن النائم والغافل، وإن كان الغالب تعلقه بها خلافا للخطاب الذي يشترط فيه إرادة الكلام وإرادة الإبلاغ حتى لا يكادان ينفكان عنه، وهو بذلك أقرب إلى مصطلح الدلالة باللفظ. 7- أنواع مسالك الخطاب تبدأ عملية التخاطب بالاستعمال الذي يقوم به المتكلم وتنتهي بالحمل الذي يعزى إلى المخاطب، ولا يتحقق التخاطب دون لجوء المتكلم إلى مسالك يحاول بها تحقيق غايته أو إيصال مقصوده لمخاطبه، وتتنوّع هذه المسالك بتنوّع غاياتها، فثمة المسالك البيانية (التي ترتبط بمراد المتكلم من خطابه أهو البيان كما هو المعتاد أم التضليل كما في الإبهام والتورية؟)، ويندرج تحتها المسالك التصريحية والتلميحية، ومنها المسالك الموقفية أو التفاعلية (كالشك والحسم والحذر والهجوم والدفاع والتأدب)، ومنها المسالك البنائية التي تعنى بالشكل الخطابي، ويندرج تحتها نوعان: نوع على مستوى الجملة ويسمى مسالك النظم (الناشئة عن عملية بناء الجملة التي تأخذ شكلها النهائي في صورة ما يسمى بالأساليب أو أفعال الكلام كالإخبار والأمر والنهي)، ونوع على مستوى النص ويسمى مسالك التأليف، وتندرج تحتها المسالك النمطية (كالسرد والوصف والشرح والحجاج)، وهناك أيضا مسالك السوْق التي تسخّر فيها القرائن المنصوبة لخدمة مراد المتكلّم. وكل ما ذكر من مسالك حتى الآن يرتبط بالمتكلم أو المؤلف ويسمى مسالك الخطاب. أما مسالك الحمل فترتبط بالمخاطب وتشمل مسالك التفكيك بنوعيه الوضعي والسيميائي، ومسالك التأويل، ومسالك التفسير، ومسالك التفاعل، وسنخصص لمسالك الحمل بحثا مستقلا في المستقبل إن شاء الله. ويرتبط المسلك عادة بوسائل جزئية تقل أو تكثر لتنفيذه، فمسلك التصريح مثلا يحتاج إلى اتباع الأصول الوضعية، أو نصب قرينة تدل على العدول عن المعنى الوضعي، ومسلك الحجاج يحتاج إلى وسائل الإقناع كالاستقراء والقياس والتعليل. ويعد التمكن من بناء المسالك الخطابية من مشمولات الكفاية التخاطبية التي تشمل أيضا معرفة المتخاطبين بالمواضعات اللغوية المعجمية منها والقواعدية، وقدراتهم المنطقية، ومعرفتهم بأصول التخاطب ومعرفتهم بالمحيط الخارجي، وإلمامهم بكل السياقات التي لها صلة بموضوع التخاطب. 7، 1- المسالك البيانية ترتبط عملية التخاطب ارتباطا شديدا بمبدأ البيان الذي يقتضي أن نفترض حرص المتكلم على صوغ كلامه على نحو يتوخى فيه الصدق والدقة ومناسبة المقام التخاطبي، وإذا كانت هذه الشروط ضرورية للإيفاء بمستلزمات المسلك التصريحي، فإن التلميح قد يكون خيارا مستحسنا في كثير من المقامات التخاطبية. وقد انعكس هذا في مستويات الوضوح في الخطاب، وهو ما ألزم علماء الأصول الأحناف بالتفريق بين أربعة مستويات من الوضوح، وهي الظاهر، والنص، والمفسر، والمحكم، وقصروا جواز التأويل على الألفاظ التي تصنف تحت مقولتي الظاهر والنص فقط، كما ميزوا أيضا بين أربعة مستويات من الخفاء هي الخفي والمشكل والمجمل والمتشابه. والشائع عند جمهور الأصوليين الاكتفاء بتقسيم اللفظ من حيث الوضح والخفاء إلى نص وظاهر ومجمل. وإنما يتحقق الوضوح باتّباع الأصول الوضعية المستلزمة لما يأتي: 1- استعمال الحقيقة وتجنب المجاز 2- استعمال الألفاظ المتباينة وتجنب المشترك اللفظي 3- الذكر وتجنب الحذف والإضمار 4- الالتزام بالترتيب وتجنب التقديم والتأخير 5- الالتزام بالمساواة بين اللفظ والمعنى وتجنب الإيجاز، والإطناب. فإذا ما التزم المتكلم بهذه الأصول فقد اختار مسلك التصريح، أما إذا عدل عنها بأي نوع من أنواع العدول سواء أكان عدولا كيفيا كانتهاك مبدأ الحقيقة، أو كميا بأن حذف أو أضمر أو كررّ أو أوجز أو أطنب، أو موقعيا بأن قدّم وأخّر، فإنه على الأغلب قد رجّح المسلك التلميحي. وقد يكون التلميح باللجوء إلى الوسائل الدلالية فيضمّن كلامه بعض الافتراضات أو المفاهيم التخاطبية التي سنوضحها في موضعها من البحث. أما المسلك الثالث الذي يميل إليه بعض المتكلمين فهو مسلك الإبهام، ويستخدم فيه وسائل مثل التورية والإلغاز. وقد أدرجت هذه الوسيلة ضمن المسالك البيانية (وإن كانت توحي بغير ذلك)؛ لأنها مكملة لها وتدخل معها في علاقة توزيع تكاملي. 7، 2- المسلك الموقفي يقاس نجاح التخاطب بمدى مناسبة كلام المتكلم للمقام التخاطبي، وقد أولى علماء البلاغة هذا الأمر عناية خاصة حتى عرفوا البلاغة بأنها "مراعاة المتكلم لمقتضى الحال"، ولذا فإن المتكلم مطالب بمعرفة المسلك المناسب لحال مخاطبه. يقول السكاكي: "مقام الكلام مع الذكي يغاير مقام الكلام مع الغبي، ولكل من ذلك مقتضى غير مقتضى الآخر. ثم إذا شرعت في الكلام فلكل كلمة مع صاحبتها مقام، ولكل حد ينتهي إليه الكلام مقام، وارتفاع شأن الكلام في باب الحسن والقبول وانحطاطه في ذلك بحسب مصادفة الكلام لما يليق به، وهو الذي نسميه مقتضى الحال، فإن كان مقتضى الحال وإطلاق الحكم فحسن الكلام تجريده عن مؤكدات الحكم. وإن كان مقتضى الحال بخلاف ذلك فحسن الكلام تحليه بشيء من ذلك بحسب المقتضى ضعفا وقوة، وإن كان مقتضى الحال طي ذكر المسند إليه فحسن الكلام تركه، وإن كان المقتضى إثباته على وجه من الوجوه المذكورة فحسن الكلام وروده على الاعتبار المناسب، وكذا إن كان المقتضى ترك المسند فحسن الكلام وروده عاريا عن ذكره، وإن كان المقتضى إثباته مخصصاً بشيء من التخصيصات فحسن الكلام نظمه على الوجوه المناسبة من الاعتبارات المقدم ذكرها، وكذا إن كان المقتضى عند انتظام الجملة مع أخرى فصلها أو وصلها والإيجاز معها أو الإطناب، أعني طي جمل عن البين ولا طيها، فحسن الكلام تأليفه مطابقا لذلك". ولا يتوقف اهتمام المتكلم بالمقام الآني للمخاطب، بل يمتد ليشمل التعمق في شخصية المتكلم لمعرف النمط الذي تنتمي إليه؛ كي يكون خطابه ملائما لشخصية مخاطبه، فيختار الأسلوب الذي يتناسب معه، فنغمة الشك مثلا تتناسب مع الشخصية المنفتحة الناقدة، ونغمة الحذر تنسجم مع الشخصية القلقة التي تشعر بالظلم والاضطهاد فتنزع إلى اتخاذ موقف دفاعي لا تقبل فيه بالنقد، وغالبا ما يرتبط ذلك بعقدة النقص، ونغمة الحسم تتناسب مع الشخصية المنغلقة الاستبدادية، أما نغمة التيقن فتتناسب مع الشخصية التي يعوزها التفكير النقدي. 7، 3- المسالك البنائية تعنى هذه المسالك بعمليتي بناء الجملة وبناء النص، وتشتمل نوعين من المسالك: المسالك النظمية التي تظهر على مستوى الجملة في شكل ما يسمى بأفعال الكلام كالإخبار والأمر والاستفهام، والمسالك التأليفية المتمثلة في أنماط الخطاب السردي والوصفي والاستدلالي والشرحي. 7، 3، 1- المسالك النظميّة يقصد بالنظم هنا ضم عناصر الكلام بعضها إلى بعض، وتعليق كل جزء من أجزاء الجملة بغيرها من الأجزاء، ويشمل الرصف linearization، والتموضع thematization، والاستبدال substitution. يرتبط الرصف linearization بمستوى القولة عادة وإن كان بعض اللسانيين يوسع دائرته ليشمل الفقرة أيضا. ويقصد به هنا وضع العناصر اللغوية المستعملة في القولة في شكل خطي بحيث تتوالى فيه تلك العناصر مرتبة في استعمالها ترتيبا زمنيا، ويبدو هذا في الكتابة على شكل سلسلة ائتلافية تتجه في اللغة العربية من اليمين إلى اليسار. يقوم الرصف أساسا على الإسناد predication الذي هو المكوّن الأساسي للجملة، وهو المنشئ للنسبة الكلامية بين الموضوع والمحمول، وتقابل النسبة الكلامية نسبة ذهنية موازية، وترتبط النسبتان الكلامية والذهنية بنسبة ثالثة هي النسبة الخارجية عن طريق الإشارة reference. وعندما تتوسعّ الجملة النواة المؤلّفة من عنصري الإسناد تنشأ علاقات تركيبية جديدة من قبيل علاقات الإضافة والنعت والبدل والعطف والتوكيد، وفي كل خطوة من خطوات التعليق المؤسسة لكل هذه العلاقات يحرص المتكلم على محاولة الملاءمة بين الاختيار على مستوى الاستبدال والمتطلبات الوضعية والاستعماليّة للائتلاف، وبينما يعد التعجيم (أي تحقق المعنى المعجمي في المُصرِّف morpheme والكلمة) والتقعيد (أي صوغ القواعد الصرفية والنحوية) من المعطيات الوضعية التي لا أثر فيها للمتكلم فإن اختيار ما هو مناسب للمقام التخاطبي من بين البدائل المعجمية والصيغ الصرفية والأنماط النحوية الممكنة يحتاج إلى مسلك خاص لتحقيق غرض المتكلم، ويتوقف الاستبدال على رغبة المتكلم في الطريقة التي يريد أن يورد بها المعنى من حيث الدقة الدلالية والشحنات العاطفية التي تكتنف الكلمات ومدى إيحاءاتها، كما أن غايات الخطاب وأغراضه ترسم شكل التقاطع بين محور الاستبدال والائتلاف وتتحكم في توجه المتكلم نحو الذكر أو الحذف، والإضمار أو الإظهار. ويرتبط الرصف كذلك بالتموضع thematization وهو ترتيب الموضوع والمحمول وفقا لأولويات التبئير focality (أي تقديم ما ينال عناية المتكلم على غيره من العناصر اللغوية المستعملة)، وهو وإن كان محكوما بمقتضيات الوضع جزئيا فإن ما تتيحه مندوحة الاستعمال يسمح للمتكلم أن يعبر عن أغراضه البلاغية إلى حد كبير. ويتفاوت المتكلمون في إبراز قدراتهم على إحداث تغييرات موقعيّة واختيارات كمّية وكيفية تحقق لهم أغراضهم بقدر ما يملكون من كفاية بلاغية وتخاطبية. وترتبط الإفادة ارتباطا وثيقا بتمييز المتكلم بين ما يعتقد أنه معلوم للمخاطب فيعامله على أنه مسلّمة، وبين ما يضيفه إلى علم مخاطبه وهو المتعارف عليه في الدراسات التخاطبية بالإضافة. ولعل من أهم مستلزمات الرصف أن كل عنصر لغوي يستعمل يفرض قيودا قواعدية ودلالية وسياقية على ما يأتي بعده من عناصر بحكم قواعد الائتلاف المتعلقة باللغة المستعملة، ولربما كانت اسستتباعات المطابقة، وعلامات الإعراب بأنواعها المختلفة في العربية أوضح مثالا على القيود القواعدية. أما القيود الدلالية فتتصل اتصالا وثيقة بالسمات المنطقية والمعجمية لكل كلمة من الكلمات المستعملة ومدى ملاءمتها لما سبقها وتلاها من كلمات، كما أن مناسبة السياق الداخلي والخارجي وشروط التماسك المنطقي والنصي تعد معيارا جوهريا لتمكين الكلام المرصوف من القبول، وقد أكد عبد القاهر الجرجاني ذلك بقوله: "ليس الغرض بنظم الكلم أن توالت ألفاظها في النطق، بل أن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه الفعل". وفي كل خطوة من خطوات الرصف يتطلب النظم أن يختار المتكلم من محور الاستبدال ما يرغب في اختياره أو مما يقتضيه السياق أو تفرضه قواعد اللغة، وهكذا فإنه بإمكان المتكلم أن يقول مثلا: "مناهضو (أو مناوئو أو معارضو أو مناصرو) العولمة يتظاهرون في شوارع أوروبا" وفقا لمقاصده وأغراضه التخاطبية، وبذلك يكون قد اختار واحدا من الخيارات التي تدخل مع الخيارات الأخرى في علاقة تغاير؛ لأن معنى كل خيار يختلف اختلافا جزئيا أو كليا عن الآخر مهما قلّ أو كثر هذا الاختلاف، ولكنه لا يستطيع أن يقول "مناهضي العولمة"؛ لأن العلاقة هنا بين الخيارين (أعني بين "مناهضو" و"مناهضي") علاقة تشابه، أي أن اللفظين بمعنى واحد، ولكن قواعد اللغة تسمح بخيار واحد فقط هنا بين الخيارين وتترك الباقي لسياق آخر. وعلى الرغم من ذلك، تتيح اللغة خيارات نظمية متنوعّة لإتاحة الفرصة للمتكلم انتهاج المسلك المناسب لغرضه، ومن بين الخيارات النظمية الشائعة مسلك البناء للمجهول، وهو طريقة في النظم محكومة بالتبئير والعدول الكمي، أي أن المتكلم قد يستخدم البناء للمجهول للتركيز على المفعول به الذي يصبح نائب فاعل بعد حذف الفاعل، ويرتبط العدول عن الأصل (وهو ذكر الفاعل) بمسوّغات تخاطبية منها عدم أهمية الفاعل في نظر المتكلم، أو الجهل به، أو الخوف منه أو الخوف عليه أو غير ذلك من الأسباب المتداولة في كتب النحو. ومما هو حريّ بالذكر هنا أن النظم يتسم بسمة التعقيد، فعلاوة على ما سبق من وسائل بنائية ممثلة في الرصف وما يقتضيه من تموضع وتبئير واختيار من محور الاستبدال، فإن من مهماته الشاقة تحويل البنية الدلالية العميقة إلى بنية قواعدية سطحية تراعى فيها القضايا الدلالية من نحو التضمن والافتراض والمفاهيم الخطابية كمفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة ونحو ذلك. وسيجرنا هذا إلى الحديث عن نوعين من الدلالة يعد كلا منها مسلكا نظميا دلاليا، هما الدلالة الكلامية أو الوجودية والدلالة العدمية أو السكوتية. 7، 3، 1، 1- الدلالة الكلاميّة والسكوتيّة إن البنية الدلالية للخطاب أعقد وأغنى مما يمكن أن نتصور، ولتوضيح ذلك فلنتساءل: ما الذي يمكن أن يخطر ببالي عندما يسألني طالب: كم لديك ولد؟ وكيف يمكن أن نعبر عما يمكن أن يخطر ببالي؟ ولعل أول ما يرد إلى الذهن هو منطوق كلامه، وهو أن الطالب يقول: كم لديك ولد، ثم تتوالى الاحتمالات الممكنة من مثل: الطالب ينطق بكلام معناه كم لدي ولد، الطالب يرغب في معرفة كم لدي ولد، الطالب يريد أن يعرف كم لدي ولد، الطالب يسأل كم لدي ولد؟، الطالب يعتقد أن لدي ولدا أو أكثر، الطالب يفترض أن لدي ولدا أو أكثر. ويمكن أن نوسع الدائرة بنحو: الطالب يفترض أنني متزوج، الطالب يفترض أنه لن يكون لي أولاد ما لم يسبق لي الزواج. ويمكن أن نوسع الدائرة أكثر ببعض الاستنتاجات: الطالب يعرف العربية ويملك من مواضعاتها الحد الذي يمكنه من أن يسأل كم لدي ولد، الطالب يتصرف بمقتضى الأعراف التخاطبية في إثارة السؤال، الطالب يشعر بالقرب مني ولذا سألني هذا السؤال، الطالب جريء إلى الحد الذي يمكنه من هذا السؤال، الطالب يهمه أن يعرف كم لدي ولد. ويمكن أن نوسع الدائرة أكثر ببعض الاستنتاجات: الطالب يتوقع مني أن أجيبه عن سؤاله، الطالب يطلب مني شيئا ويتوقع أن ألبي له طلبه، وهلم جرا. وهكذا فإن ما قاله المتكلم لا يعد شيئا أمام ما يمكن أن نستنتجه من كلامه، وإذا كان بعض ما ذكر قد يعد من الافتراضات والتضمنّات المندرجة في قولة الطالب، ومن ثمّ يمكن عدّه من قبيل الدلالة الكلامية، فإن بعض أنواع المعنى مثل ما يعرف في علم أصول الفقه بمفهومي الموافقة والمخالفة يمكن إدراجه في الدلالة السكوتية. والمقصود بها ما يستلزمه اللفظ بالحكم دون النطق به، وذلك عند إضافة قيد إخراجي يترتب عليه استبعاد ما لم ينطبق عليه ذلك القيد. ومن أمثلته "خمس رضعات يحرمن" التي تستلزم أن الست فما فوقها تحرم أيضا على سبيل الموافقة من باب أولى، وتستلزم أيضا أن الأربع فما دونها لا تحرّم. ومن الواضح أن الدلالة السكوتية ترتبط بنظرية التقييد ونظرية الاستبدال، ويمكن أن نصوغ ضابطا هنا للتقييد في ضوء محور الاستبدال: كلما قوي التضاد بين البدائل الممكنة قويت الدلالة السكوتية. وتصل مداها عندما يصبح البديل واحدا فقط وهو البديل النقيض، أو البديل السالب، ومثلما لا حظنا فإن من الدلالات المنبثقة عن الدلالة السكوتية مفهوم المخالفة، ومن أمثلتها "في الغنم السائمة زكاة" الذي يستنتج منه أن المعلوفة لا تجب فيها زكاة؛ لأنه قيّد الغنم بالسوم، وسكت عن المعلوفة، ولما كانت السائمة مناقضة للمعلوفة كان حكمها مخالفا. وقد تأخذ الدلالة السكوتية اتجاها مختلفا عن اتجاه المخالفة، وذلك عندما يكون هناك شبه بين المذكور والمسكوت عنه وتكون العلة الجامعة بينهما أقوى في المسكوت عنه، فيغلب جانب الموافقة بقياس المسكوت عنه على المذكور، ويعطى له حكمه، كما في "من يحصل على جيّد جدا يستحق جائزة"، فمن بين المسكوت عنه هنا هو حكم من يحصل على امتياز، وهو أنّه مستحق للجائزة بلا ريب، بل إن استحقاقه للجائزة من باب أولى. أما من يحصل على أقل من جيّد جدّا فيطبق عليه مفهوم المخالفة. وبالتزامن مع كل ما سبق فإن المهمة الأخرى (وهي المهمة الجوهرية المنوطة بالمتكلم على المستوى النظمي تلك التي تظهر المسلك النظمي في شكله النهائي) هي تحويل بنية الجملة إلى أسلوب مناسب لتحقيق غاياته الخطابية وبلوغ كنه أغراضه التخاطبية، ويتأتى ذلك عادة بالتوسّل بما يسمى بأفعال الكلام، من نحو الإخبار: (على سبيل الإثبات، أو النفي، أو الترسّل، أو التوكيد)، والطلب بأنواعه: الاستعلائي كالأمر والنهي، والالتماسي كأن يطلب من الصديق أن يفعل شيئا، والتضرّعي كالدعاء والاستغاثة، والاسترحامي كالاستعطاف، والرجائي كالتمني والترجي. وعندما يختار المتكلم الإخبار فإنه مخيّر بين أن ينحو منحى الإثبات أو النفي، وكذا فهو مخيّر بين أن يترسّل أو يؤكد فحوى كلامه، وعندما يطلب فإن طلبه متوقف على مرتبته من مخاطبه وعلى مدى إمكان تحقق ما يطلبه، فيأمر أو ينهى من هو دونه، ويلتمس من مساويه، ويتضرّع بدعاء خالقه ويستغيث به، ويستعطف من هو أعلى منه، ويرجو ما يراه ممكنا، ويتمنى ما يراه مستبعدا أو مستحيلا. إن الاعتقاد بأن الكلام ما هو إلا حدث قولي وتجنب طابع "الفعلية" فيه مجانب للصواب، وينضوي على إضعاف ضمني لأهمية اللغة في حياتنا: إن الأب عندما يريد من ابنه أن يركب في السيارة قد يبدأ بحمله على كتفه ثم يضعه في الكرسي الخلفي للسيارة، ولكن هذا لن يستمر طويلا؛ لأنه بمجرد أن يحقق الطفل الحد الأدنى من الاعتماد على نفسه في المشي ستنوب كلمة "اركب" عن كل ما كان الأب يفعله سابقا، وهو ما يعني أن عبارة "اركب" حلت محل الفعل الذي كان يقوم به الوالد، وإن لم تكن لها القوة الإنجازية التي يتحقق بها الفعل في الواقع، وقد تقودنا قصة الاستعاضة بفعل الأمر عن حمل الولد هذه إلى استنتاج أننا إنما نلجأ إلى اللغة كلما شعرنا أنها توفر لنا جهدا يتطلبه القيام بفعل ما، غير أن هذا في الواقع ليس كل شيء يمكن للغة أن تقوم به؛ وذلك لأننا نلجأ إليها أيضا للقيام بأفعال لا يمكن فعلها بدونها، وهكذا فإن عبارة "أنت طالق" عندما يقولها الزوج لزوجته وعند توفر الشروط المناسبة سيترتب عليها أفعال ذات صلة: كالهجر، والانفصال، والابتعاد إلخ، وهي أفعال لا تحدث لولا صيغة الطلاق. إن كثيرا مما نعده من الأقوال ونتعامل معه على هذا الأساس لا يخطر ببالنا أنه من الأفعال، ومن ذلك القراءة، والحكي، والنصح، والوعظ، والتدريس، والإرشاد، ولا يمكن لنا تصوره على حقيقته إلا عندما نضعه في جواب ماذا تفعل؟ ويكون الجواب حينئذ: أقرأ نشرة الأخبار، أو أحكي له قصة، أو أنصح ابني، أو أعظ طلابي، أو أدرس الأولاد، أو أملي على زوجتي طريقة صنع الكعكة. تعد أفعال الكلام إذن النتيجة النهائية لعملية النظم، وهي أهم المسالك النظمية التي نحقق بها أغراضنا وغاياتنا التخاطبية، فإذا أردت أن أطلب شيئا فبإمكاني مثلا أن نفعل ذلك بالأمر أو بالدعاء أو الالتماس، وإذا أردت إعلام مخاطبي بشيء ما فما عليّ إلا أن أخبره بذلك. وقد كان لأوستين Austin وسيرل Searl الفضل في التنبيه على أن استعمال عبارات اللغة لا يقف عند حد القول فقط، بل هو فعل ذو تأثير فيما حولنا. ويأتي هذا الرأي ردا على الاعتقاد السائد عند أتباع المدرسة الوضعية المنطقية التي ترى أن القولة اللغوية تستخدم لوصف الوقائع أو الأحوال، وأنه لا يمكن أن تكون للقولة معنى ما لم يثبت صدقها. إذن نحن الآن أمام ثلاثة أنواع من الأفعال: الفعل اللفظي locutionary act، وهو القول أو النطق بالقولة، والفعل القصدي illocutionary act، وهو قصد المتكلم من قولته كالاستفهام أو الإخبار، وقد عُدّ "الوحدة الصغرى للتخاطب اللغوي"، والفعل التأثيري prelocutionary act وهو التأثير الذي أحدثه القول في المخاطب كتصديق الخبر، أو طاعة الأمر. 7، 3، 2- المسالك التأليفيّة المقصود بالتأليف هنا بناء النص سواء صغر حجمه ككتابة الرسالة أم كبر ككتابة مسرحية أو كتاب. ومع أننا لا نجد في المعاجم ما يخبرنا بأن معنى التأليف وضعا يختلف عن معنى النظم، بيد أن الاستعمال يجعل كلمة "تأليف" أنسب لبناء النص من كلمة "نظم"، ولذلك استعملنا "النظم" لبناء الجملة، و"التأليف" لبناء النص. تعد "كفاية التأليف" أرقى أنواع الكفايات التخاطبية؛ لأن اكتسابها لا ينحصر في التمكن من معرفة العناصر المعجمية والقواعدية والبلاغية والأسلوبية للغة المستعملة، بل يشمل أيضا مهارات منطقية ومنهجية عليا يحتاج تعلمها عادة إلى تعليم مدرسي؛ إذ لا تكفي الكفاية اللغوية حتى في كتابة أبسط أنواع النصوص ككتابة الرسالة أو المقال ما لم يتدرب المؤلف على ذلك تدريبا خاصا. ومن ثمّ فإن مسلك التأليف هو مسلك خطابي خاص بمن يأنسون في أنفسهم الكفاية في بناء النص. ومن المعلوم أن النصوص تتفاوت في بلاغتها وجودتها وجمالها، ولكن الحد الأدنى الذي يعطي لقطعة من النثر سمة "النصية" تتطلب توفر شرطين في الأقل: 1- التنظيم يتحقق التنظيم بما يشتمل عليه النص من تقسيم وتفريع، وهو أمر يختلف باختلاف نوع النصوص وحجمها، فالكتب مثلا تقسم عادة إلى فصول (أو أبواب وفصول)، ثم تقسم الفصول إلى مباحث، والمباحث إلى فقرات. أما المقالات فيكتفى فيها عادة بمقدمة وخاتمة ووسط يشتمل على قضايا متبوعة بأدلة أو أمثلة أو تفاصيل قد تشتمل على إحصائيات ونحوها، وتقسم الأفكار الواردة في المقال إلى فقرات تتناول تلك الأفكار، وتشتمل كل فقرة على جملة مفتاحية تحمل الفكرة الأساسية تعقبها عادة جملا داعمة لتلك الجملة على سبيل التفصيل أو التعليل أو الشرح أو التمثيل. أما في السرد فإن الحكي والشخصيات والزمان والمكان والحدث والحوار من الأركان الأساسية التي يقوم عليها العمل القصصي أو الروائي، ويتفاوت القصاصون والروائيون في عرض تلك العناصر، ورسم صورة التفاعل بينها، وكيفية التدرج في الانتقال من التمهيد إلى العقدة إلى الحل أو النهاية. 2- الاتساق والتماسك يقصد بالاتساق coherence الترتيب الذي يأخذه النص في بنيته الداخلية العميقة، وهو يختلف باختلاف نوعه، فقد يكون الترتيب زمانيا ينتقل فيه من الحدث الأقدم إلى الأحدث، أو منطقيا تتسلسل فيه المقدمات لتقود إلى نتائج مناسبة، أو غير ذلك؛ إذ ليس ثمة نمط حتمي خاص، بل الكاتب هو الذي يخلق المنطق الخاص بالنص اعتمادا على قدرته على رسم التمهيد المناسب للغرض المستهدف، وعلى صوغ الكيفية التي ينتقل بها من المقدمات إلى النتائج. أما التماسك cohesion فهو الربط العضوي بين أجزاء النص على نحو تبدو فيه تلك الأجزاء متوقفة بعضها على بعض كالبنية الواحدة أو العضو الواحد، ويحدث عادة بوسائل لغوية خاصة كالضمائر وأسماء الإشارة وأدوات الربط والحذف والتكرار والإبدال، وقد يكون للقرائن الخارجية المصاحبة للنص تأثير في إحداث هذا التماسك أو تعزيزه. يمتاز بناء النص بالسمة التراكمية، الأمر الذي يجعل من المسلك التأليفي مهمة معقدة؛ إذ تحتاج كل جملة جديدة في النص إلى عملية إدراج واعية تتطلب تحديد علاقتها بما قبلها وبما سيأتي بعدها من جمل، وقد يختل البناء النصي بسوء الاستهلال أو التخلص، أو سوء استعمال وسائل التماسك، أو بعدم اتباع ضوابط الوصل والفصل، أو بالإخفاق في تكوين بنية منطقية مقبولة للقارئ. وربما لا نبالغ إذا ما قلنا إن القارئ قد ينزعج من احتواء النص على أخطاء نحوية أو إملائية أو أسلوبية أو مطبعية، ولكن أشد ما يزعجه اختلال البنية المنطقية للنص، أو افتقاره إلى التماسك العضوي أو اللفظي، وقد عبّر حازم القرطاجني عن ذلك بقوله: "فالذي يجب أن يعتمد في الخروج من غرض إلى غرض أن يكون الكلام غير منفصل بعضه من بعض، وأن يحتال في ما يصل بين حاشيتي الكلام ويجمع بين طرفي القول حتى يلتقي طرفا المدح والنسيب أو غيرهما من الأغراض المتباينة التقاء محكما، فلا يختل نسق الكلام ولا يظهر التباين في أجزاء النظام؛ فإن النفوس والمسامع إذا كانت متدرجة من فن من الكلام إلى فن مشابه له، ومنتقلة من معنى إلى معنى مناسب له، ثم انتقل بها من فن إلى فن مباين له من غير جامع بينهما وملائم بين طرفيهما وجدت النفس في طباعها نفورا من ذلك ونبت عنه، كانت بمنزلة المستمر على طريق سهل، بينا هو يسير فيه عفوا إذ تعرض له في طريقه ما ينقله من سهولة المسلك إلى حزونته ومن لينه إلى خشونته". وتأخذ مسالك التأليف ما يمكن أن يسمى المسالك النمطية التي تشمل السرد، والوصف، والاستدلال، والشرح، وسنعرض لكل نوع من هذه الأنواع فيما يأتي: 7، 3، 2، 1- المسلك السرديّ لعلّ مما هو غائب عن الكثيرين أنّ وظيفة السارد وظيفة خطيرة، وأن ما يمكن أن يعبر عنه السارد بسرده أكثر بكثير مما يظن أو يعتقد؛ فهو يتحكم في عالم القصة أو الرواية: العناصر، والشخصيات، والزمان والمكان، والعُقد، والحوار، وغير ذلك، أي إنه ينسج عالما جديدا من خياله، ومهما اقترب أو ابتعد ذلك العالم في شكله عن العالم الحقيقي فإنه من صناعة مؤلفه، وفي خدمة أغراضه وغاياته. وبذلك يكون السارد قد تسلّح بأنواع من السلطات منها سلطة تجاوز الواقع وسلطة الإبداع، وسلطة التأليف، فضلا عما له من سلطات ومسالك أخرى ليس أقلها شخصنة المجرّد والمتخيّل لتكثيف شحنة الإقناع العاطفي. وهذا المسلك بالذات قد يستغله أحيانا بعض المؤلفين لقدرته العجيبة على التسلل إلى مدارك المخاطَب حينما يصبح الاستسلام لحيل السارد نتيجة حتمية لضغوطات السرد المتراكمة في غفلة من الرقابة العقلية الناقدة. وفي السرد -كما في غيره- فإن أجزاء النص تصحّح بعضها بعضا كي يبدو النص متناسقا ومتماسكا منطقيا، ومما يزيد من تقبل العمل السردي ويزيد من تأثيره في نفوس متلقيه أن أجزاءه واقعية عادة؛ إذ لا يمكن تخيل صورة مركبة دون أن تكون أجزاؤها -في الأقل- محسة سابقا، وأما التركيب فهو من عمل المؤلف، وهذا يعني أن المتصورات الجزئية المفردة واقعية، في حين أنّ مركباتها إما خيالية محضة أو محاكية للواقع ممثلة له أو واقعية مقتبسة منه، ولتوضيح ذلك نقول إن كلمة "ملك" كلمة واقعية يمكن تصورها والتصديق بها ما لم تظهر القرائن عدم صحتها، وأما عند تركيبها مع تونس مثلا، كأن يقال: "ملك تونس"، فهو محض خيال (ويمكن أن يوصف بأنه كذب إذا ما ادعى مؤلفه بأنه يتحدث عن الواقع)؛ لأن العالم الخارجي يكذبه، وقد تكون حقيقة أو محاكية للواقع كما في ملك الدولة التي يتحدث عنها الراوي إذا كانت لها مملكة فعلا. إن الفرق بين السرد الخيالي وذكر الوقائع يعود في كثير من أحواله إلى ادعاء المؤلف ومبادئ التخاطب، فبينما لسان حال القاص أو مقاله يقول أنا أحكي لكم قصة خيالية، نجد أن من يذكر الوقائع يدّعي مطابقة كلامه للواقع، وهو فرق في استعمال مبدأ الكيف، وهناك حالات أخرى يعود فيها اكتشاف السرد الخيالي إلى الشكل والصياغة، كما في ذكر تفاصيل الوقائع التي لا يعرفها عادة غير من يقوم بها. ويمكن تقسيم السرد من حيث الحمل الدلالي إلى أ‌- السرد الفارغ: وهو أبسط أنواع السرد، ويتسم بالسطحية والمباشرة والاعتماد على ذكر الأحداث المتوالية دون الخوض في بواطن الأمور، وخلفياتها، وتشعباتها. ب‌- السرد المبطّن: وهو ما يحتوي على افتراضات، ويشحن بحكم وتجارب، وقد يعبر عن مواقف فلسفية أو فكرية أو سياسية أو اجتماعية. ت‌- السرد الإيحائي: وهو الذي تكتنز فيه الألفاظ بإيحاءات نفسية واجتماعية، وهو شائع جدا في القصص والروايات، حيث ينتقي المؤلف المفردات المشحونة بظلال عاطفية متوسلا بالتجسيم والتشخيص لخلق أثر نفسي في المتلقي. ث‌- السرد الرمزي: وهو ما يقوم على الإيماء والكناية وربما التورية والإبهام، ويكتنز بالتكثيف الزماني والمكاني، وعادة ما يلجأ إلى مسلك السرد الرمزي عند التعبير عن المكبوت، والممنوع، والتابو، كالتعبير عن مواقف الكاتب في الظروف الاستبدادية القمعية، والاضطهاد الاجتماعي أو الديني، ويستثمر فيه حوار الشخصيات بالتوسل إلى لغة ازدواجية تنطق بظاهر المعنى وتخفي المرد منه، ولعل قصص كليلة ودمنة مثال جيد على هذا النوع من السرد. كما يمكن أن ينقسم السرد من حيث الأسلوب إلى أ‌- السرد الإخباري الذي تروى فيه حادثة معينة، كحادث مرور أو جريمة قتل. ب‌- السرد التاريخي الذي يتحدث فيه المؤرخ عن حقبة زمانية معينة، ويسرد حوادثها. ت‌- السرد الحكائي: ويشمل السرد القصصي، والروائي. 7، 3، 2، 2- مسلك الوصف يقسم الوصف عادة إلى الوصف الموضوعي: وهو وصف يسعى لإظهار الموصوف كما هو في الواقع، وقد يستخدم لأغراض علمية، وهو ما يسوغ تسميته بالوصف العلمي، ويحرص فيه الواصف على الاستقصاء والدقة والموضوعية، وغايته التوضيح ورسم صورة للموصوف مضاهية لحقيقته، والوصف الأدبي: وهو وصف يمتزج فيه الموصوف بالرؤية الذاتية للواصف انطلاقا من تجاربه الخاصة ومشاعره النفسيّة، ويتوسّل فيه بالوسائل البلاغية البيانية كالتشخيص والتجسيم، والبديعية كالجناس والطباق، وقد تكون المقارنة من أنجع الوسائل التي يلجأ إليها الأدباء لرسم صورة الموصوف، ومن أمثلة ذلك ما يروى من أن أعرابيا رأى "ابنا له يختطّ منزلا بطرف عصاه، فدنا منه، وقال:"أي بنيّ إنه قميصك، فإن شئت وسّعت، وإن شئت ضيّقت"، فصوّر البيت في صورة القميص لما بينهما من التصاق بالإنسان، وإحاطة به، فضلا عن كونهما رمزا للمحل الذي تتجلى فيه الحرية في أبهى صورها ابتداء من حرية الاختيار في توسيعه وتضييقه وانتهاء من حرية التصرف فيه. ويفتح هذا النوع من الوصف الباب واسعا للتأويل والتفسير، ويجد فيه النقاد ما لا يجده غيرهم، يقول أحدهم تعليقا على هذا الوصف: "وفي حركة الأعرابي تلك جملة من الحقائق المرتبطة بفلسفة المكان. قد لا نجد فيها – لأول وهلة – سوى إشارة إلى السعة والضيق الماديين. ويقف نظرنا عند البيت، وقد تفسّحت أرجاؤه، أو ضاقت أقطاره، وغدت حرجة تعوق الحركة و الانبساط. بيد أن التروي قليلا، وتجاوز المنزل إلى القميص، يكشف شيئا جديدا في معضلة المكان. مادام القميص ألصق الأثواب بجسد الإنسان، وألوط به. وكأن المنزل –وهو يكتسب خصوصية القميص– يصير امتدادا للجسد ذاته. يجد فيه نعت الانبساط السالف دلالة جديدة، تجعل راحة الجسد لا تقف عند حدود أعضائه، وإنما تمتدّ لتشمل المكان كلّه. بل وأكثر من ذلك، قد يكتسب المكان في أثر رجعي، من الجسد انبساطه الخاص، فتسري فيه أحاسيس صاحبه جيئة وذهابا، في تبادل عجيب يعطي للمكان حياة، يتعذر على النظرة العجلى استكناه أسرارها". ويتناول الوصف الحسي عادة الحجم أو الشكل أو اللون أو الرائحة أو الوزن أو الوظيفة، ويمكن أن يتناول محتويات الكون من سماء ونجوم ومظاهر طبيعية كالجبال والسهول والبحار والأماكن والأزمنة أو الأشخاص وما يتعلق بها من ملامح أو مشاعر أو أعمال، ومن أمثلة ذلك هذا الوصف لإحدى الديار الخالية: "دار لبست البلى وتعطلت من الحلى، صارت من أهلها خالية بعدما كانت بهم حالية، قد أنفد البين سكانها وأقعد حيطانها، دار شاهد اليأس منها ينطق، وحبل الرجاء فيها يقصر، كأن عمرانها يطوى وخرابها ينشر، أركانها قيام وقعود، وحيطانها ركع وسجود". ومنه أيضا هذا الوصف لقلعة حصينة: "قلعة متناهية في الحصانة، ممتنعة عن الطلب والطالب، منصوبة على أضيق المسالك وأوعر المناصب، لم تزدها الأيام إلا نبؤ أعطاف، واستصعاب جوانب وأطراف، قد مل الملوك حصارها، ففارقوها عن طماح منها وشماس، وسئمت الجيوش ظلها، فغادرتها بعد قنوط ويأس، فهي حمى لا يراع، ومعقل لا يستطاع، كأن الأيام صالحتها على الإعفاء من الحوادث، والليالي عاهدتها على التسليم من القوارع". ولعل من أهم أنواع الوصف وصف الشخصيات لاستبطان مشاعرها، وكشف دوافعها ونوازعها، ويشيع عادة في الروايات ونحوها من الأعمال السرديّة، ويرمي الواصف عند إبرازه صفة من صفات الشخصية على نحو انتقائي إلى التأثير في المخاطب بإثارة إعجابه بالشخصية او حبه لها أو بغضه لها أو تنفيره منها، إنه ليس وصفا بريئا على أي حال. ولا بد أن تكون الملامح الموصوفة مناسبة للغرض الذي يحوم حوله الواصف دون استطراد يشتت الانتباه وينتهك سمة التماسك في النص ويقطع حبل انسيابه وتسلسله، وإلا قد يؤدي ذلك إلى إبطاء السرد والإخلال باتساقه وتماسكه. ومن نماذج وصف الشخصيات نقتبس هذا المقطع من رواية لنجيب محفوظ: "ولم يكن رأى من وجهها سوى عينيها، استقرت عليهما عيناه لحظة حين التفاتته إليها، عينان نجلاوان ذواتا مقلتين صافيتين وحدقتين عسليتين، وبدتا لغزارة أهدابهما مكحلتين، تقطران خفة وجاذبية، فحركتا مشاعره". ويرتبط الوصف عادة بغايتين تخاطبيتين هما الإفصاح والتأثير، وتتعدد أغراضه لتشمل التمييز والمدح أو الذم أو الهجاء أو التقبيح أو الترغيب أو الترهيب أو التنفير. ومن أمثلة التنفير قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ{ [الحجرات:12]، حيث اشتمل على تنفير من جهة العقل؛ لأن العقول البشرية لا تستسيغ أكل لحوم الميت، ولاسيما إن كان الميت إنسانا، وتقزيز من جهة الذوق والعاطفة؛ لأن نفس الإنسان جبلت على كره ذلك، ومن جهة الدين؛ لأنه يحرم أكل الجيفة، فما بالك بجيفة البشر، وقد علّق ابن القيّم على ذلك بقوله: "وهذا من أحسن القياس التمثيلي فانه شبه تمزيق عرض الأخ بتمزيق لحمه، ولما كان المغتاب يمزق عرض أخيه في غيبته كان بمنزلة من يقطع لحمه في حال غيبة روحه عنه بالموت. ولما كان المغتاب عاجزا عن دفعه بنفسه بكونه غائبا عن ذمه كان بمنزلة الميت الذي يقطع لحمه ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه، ولما كان مقتضى الأخوة التراحم والتواصل والتناصر فعلق عليها المغتاب ضد مقتضاها من الذم والعيب والطعن كان ذلك نظير تقطيعه لحم أخيه، والأخوة تقتضي حفظه وصيانته والذب عنه، ولما كان المغتاب متفكها بغيبته وذمه متحليا بذلك شبه بأكل لحم أخيه بعد تقطيعه، ولما كان المغتاب محبا لذلك معجبا به شبه بمن يحب أكل لحم أخيه ميتا، ومحبته لذلك قدر زائد على مجرد أكله، كما أن أكله قدر زائد على تمزيقه. فتأمل هذا التشبيه والتمثيل وحسن موقعه ومطابقة المعقول فيه للمحسوس". وأبلغ أنواع الوصف وأكثره تأثيرا ما يلتقط الأثر الذي يتركه الموصوف في من حوله، ومما جاء على هذا النمط قوله تعالى في وصف يوسف –عليه السلام-: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ{ [يوسف:31]، فبسبب ما اعترى النسوة من دهشة وإعجاب لم يعدن يشعرن بألم السكاكين الجارحة عند النظر إليه، وقد نقل إلينا أثر الموصوف في من حوله هنا؛ ليترك الحرية للمتلقي في أن يحلق بخياله في تصور من اتسم بالحسن الأخاذ وبلغ من الجمال منتهاه حتى كاد ألا يكون بشرا، بل هو كائن من عالم آخر عالم الملائكة الكرام. إن سر التأثير في الوصف ولاسيما ذلك النوع الذي يأخذ شكل التصوير أنه يقدّم الدعوى مدعومة بالدليل، فثمة فرق كبير بين أن تقول إن يوم القيامة يوم مفزع ومخيف وبين هذا الوصف المزلل لذلك اليوم في قوله تعالى: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَل كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شديد{ [الحج: 2] فقدّم الدعوى، وهي شدة معاناة الناس من عذاب يوم القيامة مصحوبة بالبراهين، وهي ذهول المرضعات عن مواليدهن، وإجهاض الحوامل، وغياب العقل أو اضطرابه. وقد استعملت كلمة مرضعة بدلا من مرضع للإشارة إلى أنها في حال التلبس بالإرضاع، أي أنها مرضعة بالفعل وليس فقط بالقوة كما يقول المناطقة، وكونها مزاولة للرضاعة وطفلها يلقم ثديها إنما هو دليل على أن ذهولها عنه أمر مستبعد، فإذا ذهلت عنه وهو منها بهذه الحال، كان ذهول غيرها أولى، وكل ذلك يدلّ على شدة الفزع والهلع. وقد عبر بكلمة كل في "كل مرضعة" و"كل ذات حمل" و"ال" التي لاستغراق الجنس للدلالة على أن الذهول يحدث لجميع المرضعات، والوضع لكل الحوامل، وحالة السكر لكل الناس دون استثناء، وهو ما يؤكد هول ذلك اليوم وشد معاناتهم وعظم ما أصابهم من رعب. 7، 3، 2، 3- مسلك الاستدلال: الاستدلال نمط من الخطاب يرمي إلى حث المخاطب على القناعة بأمر ما بتقديم دعوى مدعومة بواحد أو أكثر من الأدلة والإحصائيات والأشكال التوضيحية وضرب الأمثلة والاستشهادات والتوجيه العاطفي. وقد مر الاستدلال في تاريخه الطويل بمراحل مختلفة، بيد أن الهيمنة بقيت طيلة الأربعة وعشرين قرنا الأخيرة، للبرهان الأرسطي بمبادئه الأساسية، وربما كان أهمها: 1- مبدأ الهوية: وهو مبدأ يقول بأن أ = أ ثابتا دون تغيير. 2- مبدأ عدم التناقض: وهو مبدأ انفراد النقيض أي عدم اجتماع النقيضين معا، فإما حياة أو موت، وإما سكون أو حركة، ولا يكون الشيء حيّا وميّتا أو ساكنا ومتحركا في الوقت نفسه. 3- مبدأ الثالث المرفوع: وهو مبدأ استحالة الخلو من أحد النقيضين، إذ لا يجوز ارتفاعهما معا، فالشيء إما ساكن أو متحرك، وإما حي أو ميت، ولا يجوز أن تفارقه الصفتان المتناقضتان معا. 4- مبدأ السببية وهو علاقة بين حدثين يكون للأول منهما تأثير في الثاني، ويسمى المؤثِّر سببا، والمؤثًّر فيه نتيجة. خلقت هذه الأسس المنطقية وغيرها من عناصر القياس الإغريقي نوعا من القولبة العقلية الصورية الصارمة للتفكير البشري لتصون العقل من الوقوع في الزلل، ولكنها واجهت تحديات مختلفة من مناوئيها عبر العصور، ثم ظهر المنهج الجدلي الذي يقول بإمكانية التناقض وإمكانية الاحتمال الثالث أي لا (أ) ولا نقيضه. يتغير المسلك الاستدلالي وفقا لأهدافه، فمسالك الإقناع في التعليم والوعظ والمناصحة مثلا تختلف عن مسالك التبكيت والإحراج في السجال أو المناظرة، فالأولى تعتمد أساسا على المبادرة بالأدلة وتفرض نمطا معينا من الحجاج يبدأ بالادعاء (أي بتقديم الدعوى وشرحها)، ثم الاحتجاج لها بالأدلة، بينما تعتمد الثانية على تقديم دعوى الخصم ثم تستتبع بأدلة الدحض والتفنيد. وعندما تكون الغاية هي تسويغ فكرة فيلجأ حينئذ إلى التوجيه، وكذا فإن غاية التبرير تحتاج إلى ذكر المسوّغات أو الأعذار، أما إذا كانت الغاية التفسير فيتوسّل لها بالتعليل، كما أن التوضيح يحتاج إلى الشرح والتفصيل والتمثيل، وأما البرهنة المنطقية فتحتاج إلى اللغة الصورية الرمزية وقواعد المنطق الأرسطي. والاستدلال لا ينقطع تماما عن المسالك الأخرى، إذ قد تصبح الحاجة ماسّة إلى التعريف والشرح أو السرد أو الوصف أو السبر والتقسيم إما لغرض التوضيح (كما قيل قديما الحكم على الشيء فرع عن تصوّره)، أو لتعزيز الحجة وتنويع طرائق الحجاج، وقد تضاف إليها مسالك أخرى كالتلطف والتعليل، والتصوير البياني بأداتيه التشخيص والتجسيم، والتحسين البديعي كالمطابقة والمقابلة والجناس والسجع. ويترتب على الاستدلال إحداث ثلاث منجزات: منها اثنتان يحدثهما المتكلم وحده وهما الدعوى، والبيّنة، ومنها واحدة يشترك فيها المتكلم والسامع وهي القناعة، فبينما تنشأ الأولى عن ادعاء المحاجّ، وتنشأ الثانية عن استشهاده، تنشأ الثالثة عن إقناعه وقناعة المخاطب. ولا يمكن القول بنجاح الاستدلال ما لم تحدث القناعة في نفس الخصم، وقد تحول المكابرة دون الاعتراف بحدوثها، وهو ما يسمى عنادا. وإضافة إلى القياس الأرسطي وغيره من عناصر الاحتجاج في المنطق الصوري الذي يكاد استعماله مقتصرا على المغرمين بالمنطق والحجاج في مناظراتهم يميل المتخاطبون العاديون إلى استخدام مسالك كثيرة في محاجاتهم اليومية منها الحكاية وذكر المثل وذكر النموذج والتلطف والترغيب والتنفير وقياس الأولى أو مفهوم الموافقة وإثبات النظير والاستدلال بالخلف، وسنكتفي بذكر مثال واحد لكل من النوعين الأخيرين، فالأول وهو إثبات النظير كقول الشاعر: فإن تفُق الأنامَ وأنت منهم فإن المسك بعْضُ دم الغَزال وهو استدلال ينضوي على ثلاثة ادعاءات في الأقل هي: 1- الممدوح يفوق باقي الأنام، وهذه ذكرت على أنها مسلمة. 2- المسك بعض دم الغزال. 3- تفوّقك على الأنام له نظير هو كون المسك بعض دم الغزال. والنتيجة هي لا غرابة في تفوقك على الأنام بل هو أمر معتاد والثاني وهو الاستدلال بالخلف الذي يقصد به البرهنة على صحة قضية ما بإثبات خطأ النقيض، ومن أهم ادواته "لو"، كقولك لإثبات موت شخص: لو كان حيا لتحرّك، ويقوم هذا البرهان على قاعدة عدم اجتماع النقيضين معا في محل واحد وعدم ارتفاعهما معا، فالإنسان إما حي أو ميّت، ولا يكون حيا وميتا معا، أو لا حيا ولا ميتا. وفي هذا المثال أردنا أن نبرهن على موت المتحدث عنه، فقلنا إنه ميت، بدلالة إنه لو كان حيّا لتحرك. ومن استخداماته في القرآن الكريم قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا{ [الأنبياء:22]. وفي كثير من الأحيان يلجأ المحاجّ إلى المسالك الحجاجية الضاغطة من مثل: 1) التراكم: وهو تعاقب الأدلة لمحاصرة الخصم. 2) التدرج: وهو الابتداء بالدليل الأضعف والانتهاء بالأقوى. 3) التكرار: وهو الإعادة بالمرادف لتعزيز الحجة. وقد يلجأ المحاجّ إلى مسلك المغالطة المنطقيّة أو مسلك الاستمالة العاطفيّة لتمرير دعواه، ومن بين أهم المغالطات: 1- تشويه سمعة الخصم وهو أن يعمد المحاجّ إلى التقليل من شأن خصمه بتعليق غير مناسب لموضوع حجته بدلا من تفنيد حجته. ومن أمثلتها طفلة تنتقد الشيوعيين بالتساؤل: ماذا قدم الشيوعيون للعالم غير خراب الاقتصاد وإفقار الشعوب؟ فيرد الخصم بقوله: حتى الأطفال صاروا بارعين في السياسة والاقتصاد. 2- القلب الشرطي وهو أن نجعل التالي مقدما في أسلوب الشرط، كأن يقال لنا: إذا كان مصريا وعاش طيلة حياته في مصر فلابد أن يتحدث اللهجة المصرية، فنرد: هو يتحدث اللهجة المصرية، إذن هو مصري وعاش طيلة حياته في مصر. 3- اللبس وهو أن نأتي باللفظ أو التركيب محتملا لأكثر من معنى بغرض التمويه والتلبيس على المخاطب، فنقول مثلا: زيد طبيب بصير، الذي يحتمل معناه أن يكون طبيبا متمكنا أو طبيبا أعمى. 4- البرهنة بحادثة وهو أن نستدل بحادثة لتثبيت قاعدة أو تفنيدها، كأن تقول: يقولون التدخين يقصّر العمر، عمي قضى معظم عمره مدخنا، ومع ذلك مات في سن التسعين. 5- القياس مع الفارق وهو أن يشتمل القياس على فارق جوهري يخل بمصداقيته، كأن يقول أحدهم: لقد صادقت كثيرا من الناس ولم أجد منهم غير الخيانة، فنرد عليه: أصابع اليدين غير متساوية، في محاولة لإقناعه بأنه لما كانت أصابع اليدين غير متساوية فلابد أن الناس كذلك. 6- الاحتجاج بالسلطة وهو أن نستعيض على الحجة المنطقية بنسبة القول إلى من له تأثير سلطوي في المتلقي، كأن يحاول متزمت إقناعنا بقضية علميّة اعتمادا على مصدر ديني، فيقول مثلا: الاستنساخ لا يحدث بين الحيوانات البرية (لقد سمعت هذا من الشيخ القرضاوي نفسه). 7- الإخلال بالتماسك المنطقي وهو أن يأتي المحاجّ في تفاصيل كلامه بما يُخلّ بدعواه الأساسية، كأن يقول المحاجّ: أنا لست جهويا، ولكن بحكم التاريخ والجغرافيا فإن منطقتنا تستحق النصيب الأكبر من الثروة. فالمتكلم هنا ينفي أنه جهوي ثم يناقض ذلك بالمطالبة بالحصول على أعلى نسبة من ثروة البلد للمنطقة التي ينتمي إليها. 8- النمطية وهو الحكم على فرد أو فئة اعتمادا على ما كوّنه المتكلم أو المجتمع الذي ينتمي إليه من اعتقاد عام يعوزه الدليل ويتسم بالتعميم بناء على ما عرف عن بعض الأفراد الذين ينتمي إليهم المحكوم عليه، كأن يقال: خليفة بدويّ، فلابد إذن من أن يكون كريما. 9- الافتراض الزائف وهو ألا يصرح المحاجّ بما يريد قوله، بل يمرره على أنه مسلمة مشتركة بينه وبين مخاطبه، كأن يقول المذيع لضيفه المؤيد للثورة متسائلا: إلى متى ستسمرون في القيام بالتخريب باسم الثورة على الاستبداد والفساد؟ 7، 3، 2، 4- مسلك الشرح غاية الشرح تقديم معلومات عن الموضوع، وتوضيح مصطلحاته وملابساته، ومن وسائله التعريف، والتفصيل بعد الإجمال، والتصنيف والتفريع، والمقارنة، والتمثيل، والسبر والتقسيم. 1- التعريف التعريف هو ذكر خصائص الموضوع التي يتميز بها من غيره، وكلما زادت القيود في مفهوم المعرَّف نقصت أفراد الماصدق، فإذا قلنا "حيوان" مثلا شمل الإنسان وغيره، فإذا أضفنا القيد "ناطق" قل من ينطبق عليهم التعريف باستبعاد غير الإنسان، وهكذا فإن إضافة "ذكر" أو "بالغ" سيقلل من أفراد الماصدق. ومن شروط التعريف السليم أن يكون جامعا مانعا، والمقصود بالجامع أن ينطبق على كل الأفراد الذين يشملهم التعريف، وبالمانع أن يستبعد كل الأفراد الذين لا يشملهم. ومن أهم مثالب التعريف الدور، وهو احتواء التعريف على لفظ المعرف أو ما اشتق منه، كأن يقال: المدير هو من يدير المؤسسة، والإبهام، وهو أن يكون المعرَّف أوضح من التعريف. وقد تعوّد الناس أن يصوغوا تعريفاتهم بطرائق شتى منها التعريف بذكر النموذج، وذكر المثال، والإشارة إلى واحد من أفراد الماصدق، والتعريف بذكر مرادف المعرَّف. 2- التفصيل بعد الإجمال وهو أن يذكر الكلام مفصلا بعد أن سبق ذكره مجملا، ومن أمثلته قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ{ [النحل: 66]. فقد جيء بجملة "نسقيكم" ومتعلقاتها لتبين المقصود بالعبرة؛ ولذلك أعربت على أنها جملة تفسيرية لا محل لها من الإعراب. ومنه الإتيان بالبدل كقوله تعالى: {صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ{ [الفاتحة: 7] بعد قوله: "اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم" [الفاتحة: 6]. والغرض من التفصيل بعد الإجمال التشويق للتفاصيل، وللعناية بالعام، وتهيئة المخاطب للدخول في التفاصيل دون تشتيت ذهنه. 3- المقارنة لإبراز الفروق بين المتشابهات يمكن أن تؤدى المقارنة بطرق عديدة منها المقارنة المجازية، التي يستعان بها عادة لتوضيح المجهول بتشبيهه بما يعتقد أنه معلوم للمخاطَب، ولاسيما إذا كان المراد توضيحه من المجردات فيتوسل بالتشبيه، أو الاستعارة لمساعدة المخاطب على تقريب صورته في ذهنه، ولمّا كانت الاستعارة قائمة على المبالغة في التشبيه الذي قد يصل إلى حد المطابقة فإنها أقوى من التشبيه؛ وذاك لأن هذه المبالغة تتضمن الادعاء بأن المشبه والمشبه به شيء واحد، وقد تكون المقارنة بإضافة علامة النسب وهي الياء في العربية، ويكثر ذلك في حقل الألوان مثل برتقالي، وأرجواني، وتِبْني. 4- التصنيف: ويكون بذكر الأنواع، وأفضله ما كان مستغرقا لكل الأصناف، ومبنيا على الاستقراء التام، وذلك كقولك: المواصلات: إما بريّة أو جويّة أو بحريّة. 5- التمثيل: وهو ذكر الأمثلة لتوضيح المسألة قيد البحث. 6- السبر والتقسيم: وقد عرفه الغزالي "بأن ينحصر شيء في جهتين ثم يبطل أحدهما فيتعين الآخر، أو ينحصر في ثلاث ثم يبطل اثنان فينحصر الحق في الثالث، أو يبطل واحد فينحصر في الباقيين". أي أنه اختبار كل الاحتمالات الممكنة لاستقراء الصالح منها لدخوله تحت الأقسام المناسبة، واستبعاد ما أسقطه الاختبار. وقد كانت له تطبيقات كثيرة في كتب الأصول، ولاسيما في باب القياس والعلة. 7، 4- مسالك السَّوْق المقصود بالسَّوْق نصب قرينة أو أكثر للمخاطب لتوجيهه نحو معنى معين من بين المعاني المحتملة للكلام ليكون مقصود المتكلم. والمراد بالقرينة هنا الوحدة الصغرى للسياق، وقد تكون هذه القرينة لفظية أو خارجية (تسمى أحيانا معنويّة)، وسنمثل للقرينة اللفظية بقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]، إذ يبدو ظاهريا أن المقصود من الجزء الثاني من الآية، وهو قوله تعالى: { وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} تحليل البيع وتحريم الربا، ولكن الواقع أن ليس هذا هو المقصود هنا، لأنه ليس المعنى المسوق له الكلام بقرينة قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} التي تشير إلى قولهم بمساواة البيع والربا، وهو ما يدل على أن المقصود هو التفريق بين البيع والربا، أي التشديد على اختلافهما، وليس التحليل والتحريم المعروف سلفا من أدلة أخرى سابقة لهذه الآية. أما سوْق القرينة الخارجية لتوجيه المخاطب نحو معنى ما دون آخر محتمل، فيمكن التمثيل له بقصة الهجرة عندما كان يُسأل أبوبكر –رضي الله عنه- في طريقه إلى المدينة، في رفقة النبي –صلى الله عليه وسلّم- (في هجرته من مكة إلى المدينة في سنة 622 للهجرة)، عمن معه، فكان يقول للسائل: "هذا الرجل الذي يهديني السبيل"، فينصب قرينة خارجية وهي وجودهم في الصحراء لإيهام مخاطبه أنه يقصد أن من معه هو دليله للطريق، مع أنه يقصد أنه الهادي له إلى سبيل الحق والرشاد. وقد استخدم مسلك السوق في المثال الأول لغرض التوضيح وغاية الإخبار والإعلام، في حين استخدم في المثال الثاني للتلبيس على السامع وتضليله. وفي كلتا الحالين فإن ما ذكر يبرهن على أن العناصر التداولية أو السياقية هي المحدد الأساسي لمقصد المتكلم، وهي التي بها تتحول المضامين الدلالية إلى بؤرة كلامية تتمحور حولها الأغراض والغايات التخاطبية، وسنشرح هذه النقطة من خلال ما يعرف بالتضمن والافتراض. 1- التضمن التضمن علاقة بين قضيتين على نحو تصدق فيه الثانية كلما صدقت الأولى، في حين لا يرتبط صدق الثانية بصدق الأولى ولا بكذبها. كأن تقول: "أكلت تفاحة" التي تتضمن أكلت فاكهة، ولو قلت: "أكلت فاكهة" فلا يعني ذلك أنك أكلت أو لم تأكل تفاحة. وهذه العلاقة يمكن تلخيصها في دلالة خاص على عام يندرج في تعريف ذلك الخاص، فتعريف التفاحة مثلا وهو المعنى الخاص هنا يندرج فيه ذكر العام وهو الفاكهة؛ إذ لا يكون التعريف جامعا إن لم يشتمل على ذكر الفاكهة؛ لأنها جنس أعم من التفاحة ومعرف له. ومما ينبغي أن يشار إليه هنا أن المتكلم لا يتحكم في ما تتضمنه الكلمات من المعاني، لأن التضمن مفهوم منطقي متأصل في الكلمات نفسها خلافا للافتراض الذي يتحكم المتكلم في معظم حالاته؛ ولذلك فإن دور المتكلم يقتصر فقط على اختيار الكلمات المحتوية على التضمن المناسب لمقصوده على غيرها من الكلمات لتحقيق مراده. وذلك بأن يعدل عن اللفظ المعبر عن المعنى الأول (أو المعنى الأساسي)، إلى لفظ آخر يكون فيه المعنى الأول معنى ثانيا متضمنا، وذلك كأن يترك عبارة " لقد مات أخي" أو " لقد قُتل أخي" ويقول: "لقد استُشهد أخي" للإيحاء بفائض العبارة وهو معنى التضحية المفهوم من الفعل استشهد، وبذلك ينسحب مفهوم الوفاة من البؤرة ويحل محله الاستشهاد بفضل مسلك السوق. ومما يلحظ فيما يتعلق بالتضمن بروز ظاهرة لها صلة بمباشرة بمسلك السوْق، وهي الدلالة الكامنة للتضمن التي لا تبرز إلا باستثارتها بعبارة أخرى مرتبطة بها، وذلك نحو "في القفص عصفور، ولكن ليس فيه طائر"، إذ قد لا يخطر ببالنا ونحن نستمع إلى الجملة الأولى "في القفص عصفور" أن من معانيها على سبيل دلالة التضمن "في القفص طائر"، ولكن ما إن تأتي بعدها جملة "ليس فيه طائر" حتى تتبادر إلى الذهن تلك الدلالة، فتصبح عبارة "في القفص عصفور" تعني "في القفص طائر"، وتتحوّل تلك الدلالة الكامنة إلى دلالة نشطة، وهو ما يعيننا على كشف التناقض بين "في القفص عصفور"، و"ليس فيه طائر". ووجه علاقة هذه الظاهرة بالسوق أن ذكر العبارة الثانية (الذي هو بمثابة نصب قرينة لفظية) هو الذي أخرج دلالة التضمن في الأولى من حيّز الكمون إلى حيّز التفعيل، أو من حيّز الوجود بالقوّة إلى حيّز الوجود بالفعل إذا ما استعملنا عبارات المناطقة. 2- الافتراض الافتراض هو معلومة أو زعم أو اعتقاد متضمن في القولة على نحو يوحي بأنه معهود ومسلم به بين المتكلم والمخاطب. وذلك مثل "خرج خالد من الغرفة" الذي يفترض أنه سبق له أن دخل فيها، و"طلق سعيد سميرة" الذي يفترض أنه سبق له الزواج بها. ومما يميز الافتراض من سائر أنواع الدلالة أنه المعنى الوحيد الذي يبقى بعد نفي الجملة، فقولنا مثلا "لم يخرج خالد من الغرفة" سيبقي معه الافتراض السابق، وهو أنه سبق له أن دخل فيها. ومن أنواع الافتراضات المعروفة في علم الدلالة: أ‌- الافتراض الوجودي: وهو افتراض مستمد مما يحدث في العالم الخارجي، فقولك مثلا "زوجة جارنا تزعجنا ببوق سيارتها" يحتوي على عدد من الافتراضات، منها: أن لك جارا، وأن له زوجة، وأن لها سيارة، وأن للسيارة بوقا. وللتأكد من أن كل ما سبق هي افتراضات وليست من منطوق الكلام أن نفي القولة بقولنا "زوجة جارنا لا تزعجنا ببوق سيارتها" لا يلغي تلك الاستنتاجات. أما المعنى المنطوق فهو الإخبار بإزعاج زوجة الجار للمتكلم ببوق سيارتها. ب‌- افتراض الحقائق: وهو افتراض يأتي بعد أفعال تدل على وجود حقيقة ما بغض النظر عن صدق تلك الحقيقة في الواقع، ومن ذلك "أعلم أن الأرض كروية" التي تدل على افتراض كروية الأرض، و"لقد اكتشفت أن القطة مختفية تحت السرير" التي تفترض وجود القطة مختفية تحت السرير، و"لا أعرف أنك موجود خلفي" التي تفترض أن المخاطب موجود خلف المتكلم. ت‌- الافتراض المعجمي: وهو افتراض يرتبط ببعض الكلمات المركبة التي تشتمل على دلالة غير مصرح بها ولكنها مندرجة على نحو تكون فيه شرطا سابقا لتحقق معنى الكلمة الظاهر، كدلالة الفعل دخل على خروج سابق، ومات على حياة سابقة، وأخفق على أنه حاول، وطلّق على أنه سبق له أن تزوج. ومن ذلك نحو "توقف عمرو عن التدخين" الذي يدل على أنه دخّن سابقا. ث‌- الافتراض التركيبي: وهو افتراض ينشأ من المركبات، ومن أمثلته ما ارتبط بصوغ الأسئلة، حيث تشتمل معظم الأسئلة على افتراض مزعوم، كما في نحو "كم لديك ولد؟" التي تفترض أنك متزوج وأن لديك ولدا أو أكثر، و"متى ستتخرج؟" التي تفترض أنك ستتخرج، و"لِمَ تصرّ على السكن في العاصمة؟" التي تفترض إصرار المخاطب على السكن في العاصمة، و"أين أخفيت الكرة؟" التي تفترض أن المخاطب أخفى الكرة. ج‌- الافتراضات التوهمية: ومن أمثلتها "زيد يتوهم أنه ناجح" وهو ما يفترض أنه ليس بناجح، وسعاد تتخيّل "أنها تحلق في السماء"التي تفترض أنها لا تحلق في السماء حقيقة. ح‌- افتراض النقيض: ومن أمثلته "خالد يتظاهر بالمرض" التي تفترض أنه ليس مريضا. وما يربط الافتراض بالسوق أن القضية المعبر عنها بالافتراض قد تتحول في كثير من الأحوال نتيجة عملية التبئير المرتبطة ارتباطا مباشرا بمسلك السوق إلى قضية مندرجة في البنية الدلالية إذا ما أرادها المتكلم أن تكون كذلك حتى تقدّم للمخاطب على أنها مسلمة مع أنها قضية إضافية يراد تمريرها تمريرا خفيا كي لا تبدو كأنها البؤرة الأساسية المسوق لها كلام المتكلم. ولكي نزيد هذا الأمر توضيحا يجدر أن نذكّر بأن المتكلم قد يستغل حقيقة أن معظم الأسئلة تحمل افتراضات،–كما يفعل الكثير من السياسيين والإعلاميين- لتمرير مضمونها على المتلقي كي تتسرب إلى اللاشعور مباشرة في ضوء انشغال الرقابة العقلية للمخاطب بالمنطوق الصريح للكلام. ومن ذلك مثلا أن يحاول المذيع تشويه سمعة ضيفه العربي المعتز بعروبته بالسؤال الآتي: كيف كانت نتائج زيارتكم لإسرائيل؟ أو ما الذي حققتموه من زيارة إسرائيل؟ ولا يقتصر هذه الأمر على الأسئلة، بل يمكن أن يحوّل المذيع البؤرة (وهي الإخبار بأن الضيف قد سبق له أن زار إسرائيل) إلى مسلّمة بتحويلها إلى افتراض متضمن في خبر كأن يقول مثلا: بعد زيارتكم إسرائيل حصلتم على دعم أمريكي كبير. وقد أدّى عدم معرفة بعض الإعلاميين بما ذكرناه إلى وقوعهم في أخطاء إخبارية فاحشة، ربما كان من أكثرها شيوعا استعمالهم الفعل "أكّد" بمعنى صرّح، حيث يغفلون عن المعنى الإفصاحي للكلمة ويركزون فقط عن الجانب الوصفي فيها، فيقولون مثلا: "أكّد الناطق الرسمي للحكومة الإسرائيلية تورّط حماس في عمليات إرهابية"، فيقدمونها كأنها حقيقة واقعة قبل تصريح الناطق الرسمي، وما كان منه إلا أن أكّدها مع أنهم يقصدون أنه صرّح بذلك. 8- الخاتمة لقد انبنى البحث على فكرة أن المتكلمين والمؤلفين يلجؤون إلى مسالك معيّنة لتحقيق مقاصدهم وأغراضهم وغاياتهم، ولم يعد المعنى في هذه المقاربة التخاطبية الغائية إلا مرجعا وضعيا ضمن طائفة من المرجعيات السياقية والاجتماعية يتوسّل بها مؤلف الكلام إلى بلوغ مراده. وتبيّن لنا أن كلا من المعاني والمقاصد قد تتعدّد على نحو طبقي مرتّب، كما أن مسار التخاطب يأخذ شكلا تراتبيّا يبدأ من المسلك الذي يأتلف فيه اللفظ مع المعنى نحو تكوين المقصد المرتبط بالغرض والغاية، ويقاس النجاح الحقيقي لعملية التخاطب بتحقيق الغاية، وأما إنجاز الغرض فهو نجاح نسبي فقط. وقد صنفت المسالك إلى مسالك بيانية وموقفية (أو تفاعليّة) وبنائية وسوْقيّة. وأخذت المسالك البيانية صورتي التصريح والتلميح، أما المسالك الموقفية فترصد حال المخاطَب لتتشكّل بالشكل المناسب لحاله مراعاة لمقتضاه، وأما البنائية فتشمل المسالك النظمية (على مستوى الجملة) والتأليفية (على مستوى النص)، وتتمثل الأولى في أفعال الكلام كالإخبار والأمر والاستفهام، وتأخذ الثانية عادة شكل المسالك النمطيّة الشائعة، وهي السرد والوصف والاستدلال والشرح، وهناك أيضا مسالك السوْق التي تُسخّر فيها القرائن المنصوبة لخدمة مراد المتكلّم. ويرتبط المسلك عادة بوسائل جزئية تقل أو تكثر لتنفيذه، فمسلك التصريح مثلا يحتاج إلى اتباع الأصول الوضعية، أو نصب قرينة تدل على العدول عن المعنى الوضعي، ومسلك الحجاج يحتاج إلى وسائل الإقناع كالاستقراء والقياس والتعليل. ويعد التمكّن من بناء المسالك الخطابية من مشمولات الكفاية التخاطبية التي تشمل أيضا معرفة المتخاطبين بالمواضعات اللغوية المعجمية منها والقواعدية، وقدراتهم المنطقية، ومعرفتهم بأصول التخاطب ومعرفتهم بالمحيط الخارجي، وإلمامهم بكل السياقات التي لها صلة بموضوع التخاطب. ومن النتائج التي توصل إليها البحث أن المسلك والغرض والغاية هي مفاهيم نسبية بحيث يمكن أن يتحول ما كان غرضا في مقام تخاطبي ما إلى مسلك لبلوغ غرض غير لغوي مثلا. ومن الطبيعي ألا تكون مقاصد الكلام محدودة العدد، كما لا يمكن الادعاء أن المسالك والأغراض والغايات المذكورة في هذا البحث حصرية استغراقية، ولايمكنها أن تكون كذلك في مثل هذا العمل المتواضع، ولكن حسبنا أن نفتح الطريق للبحث بالاعتماد على هذه المقاربة التخاطبية، ومن الأسئلة التي يمكن أن تثار أتعدد المسالك مرتبط بتعدد أفراد المقاصد أم بتعدد أنواع الأغراض أم بتنوّع الغايات؟ المراجع العربية • ابن الملك، معز الدين عبد اللطيف بن عبد العزيز، شرح المنار (دم: المكتبة العثمانية، 1319هـ) • ابن حزم، علي بن أحمد بن حزم الأندلسي،الإحكام في أصول الأحكام (القاهرة: دار الحديث، 1404). • ابن زكريّا، أبو الحسين أحمد بن فارس، مقاييس اللغة (دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 2002. • ابن سينا، الحسين بن علي، النجاة في المنطق والإلهيات، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة (بيروت: دار الجيل، 1992). • ابن قيم الجوزية محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، إعلام الموقعين عن رب العالمين (دار الكتب العلمية، 1991). • ابن قيم الجوزية محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، الأمثال في القرآن الكريم، تحقيق : إبراهيم بن محمد (طنطا: مكتبة الصحابة ، 1986). • ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب (بيروت: دار صادر، د ت). • ابن هشام، جمال الدين عبد الله بن يوسف، شرح اللمحة البدرية، تحقيق هادى نهر (بغداد: 1977). • الأنصاري، عبد العلي، فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، ط2. (قم، إيران: دار الذخائر، 1368). • أوريكيوني، كاترين كيربرات، المضمر، ترجمة ريتا خاطر، مراجعة جوزيف شريم (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008). • البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري (القاهرة: مطبعة البابي الحلبي، 1345 هـ). • التهانوي، محمد علي، موسوعة كشاف مصطلحات الفنون والعلوم، تحقيق د رفيق العجم (بيروت: مكتبة لبنان، 1996). • الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الإعجاز في علم المعاني، تحقيق الشيخ محمد رضا( بيروت: دار الكتب العلمية، 1988). • الرازي، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر، مختار الصحاح، تحقيق: محمود خاطر (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 1995). • الرازي، محمد بن عمر بن الحسين الشافعي، تفسير الفخر الرازى (بيروت: دار إحياء التراث العربى، د ت). • الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد جار الله، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (بيروت: دار الكتاب العربي،1407 هـ). • السرخسي، أبو بكر محمد بن أحمد، أصول السرخسي، تحقيق أبو الوفاء الأفغاني (بيروت: دار الكتب العلمية، 1993). • السكاكي، أبو يعقوب يوسف، مفتاح العلوم (القاهرة، البابي الحلبي، د ت). • السلسيلي، أبو عبد الله ، شفاء العليل في إيضاح التسهيل، تحقيق الشريف عبد الله البركاتي (مكة المكرمة: المكتبة الفيصلية، 1406هـ). • السيوطي، جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق : فؤاد علي منصور (بيروت: دار الكتب العلمية، 1998). • الشهري، عبد الهادي بن ظافر، إستراتيجيات الخطاب: مقاربة لغوية تداولية (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2004). • صليبا، جميل، المعجم الفلسفي (بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1982). • عضد الملة والدين، شرح مختصر المنتهى الأصولي لابن الحاجب، ط2. (بيروت: دار الكتب العلمية، 1983). • العطار، حسن بن محمد بين محمود، حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع،(بيروت: دار الكتب العلمية، د ت). • علي، محمد محمد يونس، تفريق القرافي بين الدلالة باللفظ ودلالة اللفظ: دراسة براغماتية لنموذج من المنهج الدلالي الأصولي (الأردن: مجلة مؤتة، جامعة مؤتة، مج 18 ، ع 8 ، 2003). • الغزالي، أبو حامد أساس القياس، تحقيق : فهد بن محمد السدحان ، (الرياض: مكتبة العبيكان بالرياض ، 1993). • الفراهيدي، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد، كتاب العين، تحقيق : د.مهدي المخزومي ود.إبراهيم السامرائي (بيروت: دار ومكتبة الهلال، 2002). • القرافي، شهاب الدين، نفائس الأصول في شرح المحصول، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمد معوض، ط3 (الرياض: مكتبة نزار الباز، 1420 هـ). • القرطاجني، حازم، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، (تونس: دار الكتب الشرقية، د.ت). • القزويني الخطيب، جلال الدين محمــد بن عبدالرحمن، التلخيص في علوم البلاغة، ضبط وشرح عبدالرحمن البرقـوقي (بيروت: دار الكتاب العربي، 1902م). • محب الله بن عبد الشكور، شرح مسلم الثبوت، ط2. (قم، إيران: دار الذخائر، 1368). • محفوظ، نجيب، خان الخليلي (القاهرة: دار مصر للطباعة، د ت). • مونسي، حبيب، فلسفة المكان في الشعر العربي: قراءة موضوعتية جمالية (دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 2001). • الهاشمي، أحمد بن إبراهيم بن مصطفى، جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، تحقيق لجنة من الجامعيين (بيروت: : مؤسسة المعارف، د ت). المراجع الأجنبيّة • Allwood, Jens. "Conventional and Nonconventional Presupposition" in Hovdhaugen (Ed.) Papers from the Second Scandinavian Conference of Linguistics, University of Oslo, Dept of Linguistics, 1975, pp. 1-14. • Blyler, Nancy Roundy. Purpose and Composition Theory: Issues in the Research. (Journal of Advanced Composition, v9 n1-2 p97-111 1989). • Damer, T Edward , Attacking Faulty Reasoning : a Practical Guide to Fallacy-free arguments, 7th ed (Belmont, Calif: Wadsworth; Andover: Cengage Learning, 2012). • Dijk, Teun A. van and Walter Kintsc. Strategies of Discourse Comprehension )New York: Academic Press, 1983(. • Dörge, Friedrich Christoph. Illocutionary: Austin's account and what Searle made out of it (Inaugural-Dissertation, PhD, der Fakultät für Philosophie und Geschichte der Eberhard-Karls-Universität Tübingen, 2004). • Ehricha, Veronika & Charlotte Kosterb, Discourse organization and sentence form: The structure of room descriptions in Dutch (Discourse Processes, Volume 6, Issue 2, 1983). • Eemeren, Van & Grootendorst, A Systematic Theory of Argumentation. The Pragma-dialected Approach. (Cambridge: Cambridge University Press, 2004). • Flower, Linda, and John R. Hayes. "The Cognition of Discovery: Defining a Rhetorical Problem." College Composition and Communication 31 (1980): 21-32. • Gumperz , John J. Discourse Strategies (Cambridge: Cambridge University Press, 1982). • Hudson, G.. Essential Introductory Linguistics. (Michigan: Blackwell Publishers Inc, 2000). • Kinneavy, James L. A Theory of Discourse. Englewood Cliffs: Prentice, 1971. • Searle, John R. "A Taxonomy of Illocutionary Acts". In Searle (1979), 1–29. First published in Language, Mind, and Knowledge. Minnesota Studies in the Philosophy of Science vii, ed. Keith Gunderson, (Minneapolis: University of Minnesota Press 1975, 344–369). • Searle, John R. "Indirect Speech Acts". In Searle (1979), 30–57. First published in Syntax and Semantics 3: Speech Acts, eds. Peter Cole / Jerry Morgan, (NewYork: Academic Press 1975). • Searle, John R. and Vanderveken, Daniel. Foundations of Illocutionary Logic. (Cambridge: Cambridge University Press). • Vanderveken, Daniel. Towards a Formal Pragmatics of Discourse. )in the Proceedings of the International Colloquium Logic and Dialogue held at Grenoble (France) in November 2002). • Yule, G. Pragmatics. (London: Oxford University Press, 2000).